المجتمعات العربية بين التنجيم العولمي والحركة الذاتية..(1\3)

images

عجّ المشهد العالمي, ولا زال, منذ بزوغ فجر العولمة (تحليلا وتفكيكا دراسة وبحثا قراءة وإستطلاعا) بمفاعلات التغير الجذري التي أحدثتها الظاهرة الكونية على بنية المجتمعات وأنماطها الثقافية وبناها الفكرية ومناطاتها السوسيولوجية.., غير أن كل تلك التمحيصات في سياق واقعنا العربي لم تفرغ لنا لصياغة منظور إستراتيجي ينطلق من أسس دراسة التحول النوعي والميكانزم الفاعل الذي بذرته العولمة في سياق شخصية الفرد الفاعل الإجتماعي, والتي بدورها أفرغت تغيرا في البنى الثقافية على النطاقين : “نطاق الأفراد المشكلين للمجتمعات التي أنغمست في تحولات العولمة” , و “نطاق الأفراد المشكلين للمجتمعات التي ما أنفضت وهي تبني حواجزها الثقافية وسدودها المنيعة الواهمة من فيض معاملات الخوف الثقافي مما يدعى بتأثيرات العولمة” . إذن وعلى ضوء ذلك فإن أقصى ما وصلت إليه تلك التمحصيات أن خلقت على المشهد السوسيولوجي العربي نطاقين فكريين لا ثالث لهما:

الأول:وهو ما يسميه منظر الإجتماع المعاصر “أنتوني غدنز” (تيار المشكّكون) وهم الفئة الأكبر في سياق المنظومة العربية بحكم طبيعتها المحافظة, والذين يحصرون الجزء الأكبر من مفاعلات إنتاجهم الفكرية وتصوراتهم الذهنية حول الجانب المظلم -بالنسبة لهم- من تلك الظاهرة الكونية, فترتبط العولمة في الصورة الذهنية لديهم والتي يحاول طبعها في ذهنية الفاعلين الإجتماعيين دوما بمسائل الهوية,الغزو الثقافي,الإنحلال القيمي وما سواها من الإرهاصات التي تعبر عن كينونة النزعة الثقافية للطبيعة المحافظة ومدعماتها الفكرية, ولكن الجانب الأكثر خطورة في سياق تلك الصورة الذهنية هي حصر الإرتباط لتلك الظاهرة الكونية دوما بالتدويل والأقلمة..وهذه إرهاصة غائبة تماما عن التفكيك والمحاكمة في سياق المنظورات الفكرية والتداولات المعرفية التي ناقشت أطروحات العولمة وتجلياتها..

الثاني: وهو كما يسميه غدنز أيضا “المتعولمون” وهم الذين قدموا العولمة في صورتها الذهنية على أنها “نبأ الإنسانية” وعصر الكمال المبجل ,مستبشرين بقدرتها المادية الفائقة على إختراق شبابيك السبات الإيديولوجي والثقافي وبنى التفكير والمأسسات التقليدية الرثة, آملين أن تلك المسهبات التبشرية سوف تقدم أنموذجا عالميا تحذف من زاوياه التنظيرية مفاهيم “الفجوة الحضارية,الفجوة الإقتصادية,الفجوة المعرفية…الخ”

وعلى ضوء الآلاف من الأطروحات والكتب والمناقشات والمحاضرات والمقالات لم يفرغ لنا اليوم صياغة منظور تأليفي توليفي يقرب الصورة الإنقسامية بين التيارين المصطنعين السابقين, بحيث تحدد براديغماته الأسس الفاعلة التي توظف من العولمة أدواتها الحضارية الفاعلة لخدمة إرتقاء الحركة الذاتية للمجتمع, وتحد من العقبات الواصبة التي تحول بينه وبين بلوغه مراتب الإرتقاء الحضاري, وخروجه من براثن التخلف, كما تؤسس للمنظومة التي تفكك السياقات والأنساق المعطوبة في المجتمع والتي تعيق حركتة الذاتية إيذانا بخلق أنساق توليفية وميهكلة جديدة, تقتضي النهوض به, وتحوي بين خصوبة معالمها بذور الولوج إلى الفاعلية الحضارية في سياقه..

أنني في سياق هذه المقالة أحاول محاولة متواضعة إيلاج مسلمات ست أساسية أرتأيت إلى صياغتها إعتقادا بكونها المحددات الأساسية التي لابد أن يرتكز على ضوئها النموذج النظري الأمثل الذي من خلاله يمكن أن نجسد صورة أنجع للتعاطي مع معطيات التحولات التراكمية التي تفرضها نطاقات العولمة وإرهاصاتها, وهذه المسلمات كما أرتأي هي:

المسلمة الأولى: إذا تم التسليم بإن العولمة الجارية كما هو “المانشفيت” الدائم لها “تحويل العالم إلى قرية كونية صغيرة” عبر تقانات الإتصال ووسائل الإعلام , فإن علينا أن ندرك تماما أن تلك النقلة التحولية غير مفصولة من أمرين أساسين:

1- أثر الروح الجغرافية على الذهنية والتكوين الثقافي والإنطباعي للفاعل الإجتماعي..

2-  الأمر الآخر, والأهم من ذلك, هو أن الفرد لا يحيا في المكان وحده, وإنما هو كائن زمني يجر وراءه تواريخه ويطوي أطواره, والزمن ما هو إلا محصلة الخبرات والمعايشات التي تولد ما لا يتناهى من الفروقات بين الهويات والثقافات..

المسلمة الثانية: تمظهرات العولمة أسهمت في تعرية إتجاهيين فكريين تاريخيين خالدين, وعلى ضوء ذلك فإن المشتقات الفكرية المصاحبة لهما, وتبعاتها المعاصرة, مآلها إلى التعرية قصر الزمان أم طال, وهذان الإتجاهان هما:

1-  ما يحلو لي تسميتهم “منجمي البشرية” أو من عرفوا بعلماء المستقبل والذين مارسوا العرافة والتنجيم الإغريقي بطرق عصرية, فكثفوا مباحثهم بالقول والتبنؤ بما سيحصل للبشرية بعد خميسن, مئة, مئتان من الأعوام, فهم على الرغم من غزارة معلوماتهم وسعة معارفهم,أبعد ما يكونون عن الراسخين في العلم..

2-  الناهلون من المذاهب التقدمية ومذاهب فلسفة التاريخ, الذين تحدثوا عن حتميات إنتصار العقل, وتحرر الإنسان التام من الإستلاب, وبلوغ التاريخ نهايته وكماله, على طرق هيغل وماركس ومدارسهما, وكما يقول المفكر اللبناني علي حرب:”ما حصل في القرن العشرين يهزأ من نبوءات هيغل العقلانية بقدر ما يهزأ من توقعات ماركس الإشتراكية”..

وفي السياق ذاته, فإن النماذج النظرية والنبوءات الفكرية المتحدثة بلغة التكهن والتنجيم والإستباق, لم تعد تتوافق مع منطق الوجود المعاصر بإرهاصاته وتحولاته, بقدر ما نحن اليوم بحاجة إلى (المنظورات التوظيفية) والتي تقوم هي الأخرى على مرتكزات ومنهجيات الفعل التنظيري الآتية:

أولا: حصر الإمكانات من الظاهرة السوسيولوجية ومحاولة خلقها وإعادة تشكيلها في صورة جديدة تدعم تحويل الظاهرة من حدث مؤثر بالإتجاه العكسي إلى حدث حافز في السياق الإجتماعي..

ثانيا: مفهوم الحدث السوسيولوجي في المنظورات التوظيفية التي أدعوا إليها, إنما هو مطابق لما قال عنه المفكر بول فيريليو, فهو يشير إلى “إختراع تقني أو ابتكار فكري أو تطور حضاري أو تحول تاريخي”, أما مصطلح الحادث فهو يشير إلى إضطراب أو خلل أو مصيبة أو كارثة, وعليه فإن التحول في معطيات المفاهيم هو بدوره أيضا يشكل إنعكاسه على منهجيات التفكيك والدراسات والتنظير, ويوجه العلوم الإجتماعية والأنسنية بحسب نحو تعمق تخصصي لمجالات محددة كي لا تتشابك المهام وتتعقد القضايا والأحداث..وفي كل قضية يجب أن نتساءل هل نحن نتعامل مع حدث أم نتعامل مع حادث.؟!

ثالثا: في سياق التنظيرات التنبؤية, لابد أن تركز المنظورات التوظيفية على التحول أيضا من مفهومها التكهني التنجيمي إلى مفهوم المواجهة, بحيث يصبح التفكير وقراءة المستقبل ليس ضربا من الترف العلمي والبحثي والتحليلي, بقدر ما هو إبتكار للأدوات والفاعليات التي من خلالها يستعد البناء الإجتماعي بعموم أنساقيه وفاعليه لمواجهة الحوادث والطوارئ الدائرة فيه..

رابعا:المنظورات التوظيفية إيضا في قراءتها للحدث وتشخصيها للوقائع إنطلاقا وإيذانا بقراءة متعمقة للمستقبل, لابد أن تضع في الإعتبار أن المستقبل المرجو ليس نموذجا يحتذى, ولا مشروعا نسعى إلى تنفيذه إنطلاقا من فكرة مطلقة أو نظرية جاهزة للتطبيق, وإنما هي جملة من المجريات والوقائع الجزئية التي يساهم الفاعلون الإجتماعيون في صنعها وبنائها ومأسستها, عبر ما تنتجه وقائع وتحولات المعاصر من الأحداث, أو ما ينجزونه هم من حقائق كلا في سياقه ومجاله..

خامسا: لابد أن ترتكز المنظورات التوظيفية أيضا على التحول النوعي المفكك لمفهوم المستقبل, وتستبدل بناءه الكلي ومضامينه الجذرية بحيث يعرف بكونه :”القدرة على إنتاج الجديد ,الأصيل ,المهم ,الفاعل,وغير المسبوق من خلال تفاصيل الواقع المعاش”..

سادسا: يتبع التغير النوعي في مفهوم المستقبل وسط كيان المنظورات التوظيفية التغير أيضا في بناء الخرائط الفكرية, التي من خلالها تتغير علاقات القوة داخل السياق الإجتماعي, ليس على مستوى الطبقات الإجتماعية, بل على مستوى علاقة الفاعلين الإجتماعيين بالحدث, وقدرتهم على الإنتقال من حالة الإنفعال الإجتماعي إلى حالة الفاعلية الإجتماعية..

سابعا: من الضرورة أن تؤكد المنظورات التوظيفية على سياق قضية مهمة, وهي التحديد الأنجع لمفهوم الهوية في سياق كينونتها الحضارية المعاصرة, فالهوية لم تعد كيانا تصوريا متكاملا مرتبطا بلغة أو قومية أو مرتكزات مادية ومعنوية تاريخية معينة, بقدر ما ألهبتها التحولات المعاصرة طابعا جديدا وخلقت منها نموذجا معاصرا وتحوليا, يرتكز في مقامات التنافس التنموي من أجل تحقيق الذات الحضارية أولا, ومن ثم طبعها بطابع المحددات الثقافية والمرتكزات المجتمعية..

إذن تلك هي محددات المنظور التوظيفي, والذي أرى من خلال بنائه خط المواجهة الفاعل, ومرتكز القراءة الناجع في سياق التحليل المعاصر للمرحلة الراهنة من إرهاصات وتحولات المشهد العالمي, والتي بدورها تحاول توليف صياغة وسطية, تهدم الإنجراف خلف التيارين الجموديين المشّكلات لعموم التوجهات الفكرية إزاء ظاهرة العولمة ومصاحباتها الحضارية…

المجتمعات العربية بين التنجيم العولمي والحركة الذاتية..(2\3)

images (2)

المسلمة الثالثة: إذا تم التسليم بأن العولمة ساهمت في إيضاح معالم خارطة التقسيم الحضاري بالنسبة للمجتمعات (متقدمة,متخلفة,عالم أول,عالم ثالث…الخ), فإن علينا بالضرورة أن ندرك, أنه عوضا عن الإمكانات المادية والعلمية والتقانية التي كانت بمثابة الأدوات الخام والمبراة الحقيقية لقلم رسم تلك الخارطة , فإن إفتقاد الأفراد والجماعات في الدول المكناة “بالدول المتخلفة” التعاطي الإيجابي مع التحولات والتحديات التي يعرفها العالم، وغياب هذا التفاعل الإيجابي هو الذي أوجد الفجوة التي خلقت الهوة الحضارية, وجرت بالأحداث مجرى أن تتعاطى تلك الدول مع العولمة ومصاحباتها تعاملا مع كيان حضاري تصفه “بالهدام” أو “الشمولي”, وحتم عليها عدم الأخذ بمفاعلاته وجزئياته “أي التعاطي مع العولمة بوصفها منجزا لا بوصفها إمكانات”, وذلك مرده الأساسي نابع من حقيقة غياب الفاعلية الذاتية , والتي أفلت لدى الفاعلين الإجتماعيين بسبب الروح الإنهزامية, التي تخلقها معطيات ومحددات الثقافة الإجتماعية من زاوية, وعقم الأوضاع الاجتماعية المنبنية نتيجة مأسسة تلك الثقافة بشكل عام..،

 إن القضية الأساس التي لابد من إدراكها في هذا السياق هي إن فقدان الفاعلية الذاتية هو بداية النهاية لأية بناء سوسيولوجي حضاري “أنساقا وأفرادا ومؤسسات”، حيث أن الحضارات الإنسانية التي سادت ثم بادت تكشف مفاعلاتها لنا بجلاء أن العنصر الأساسي الذي أنهى تلك الحضارات وجعلها تعيش القهقرى، هو ضعف أو عدم خلق بنية متكاملة للتكيف مع التطورات والتحديات الجديدة، ولا فرق في ذلك سواء كانت تلك التطورات والتحديات والتحولات ناجزة من داخل السياق الإجتماعي, أو منطبعة من التطورات الإقليمية, أو إنسانية مؤتلفة من سياقها الكوني, من هنا فإن معطيات وتحولات المرحلة الراهنة لا تتيح الخيار للمجتمعات بأريحية الولوج إليها وتمثلها من عدمه, لإن محك الوجود العالمي لأي مجتمع, صار يتحدد على وفاق النفس الحضاري له, والذي يتحدد من خلال قدرته على الإنبعاج في نسق التنافس العالمي, من خلال توظيف الأدوات الراهنة في صياغة التحول والنماء، وعليه فإن من الأهمية توفير كل الشروط الضرورية لإستيعاب محددات ذلك النفس الحضاري, حتى يتسنى لنا المشاركة الطبيعية في عصر لا محل فيه إلا للمجتمعات الحيّة، الزاخرة بالكفاءات والطاقات الخلاقة”..

المسلمة الرابعة:وعلى مستوى المأسسة فإن النظرة المتوازنة لمعطيات العولمة وتحولاتها, ومحاولة خلق روح الحركة الذاتية للمجتمع للتعاطي معها, لابد أن يرتكز على ضرورة تغيير المفهوم السائد عن دور المأسسة الإجتماعية في سياق تفعيل الحركة الذاتية للمجتمع, فمفهوم رأس المال الإجتماعي أصبح اليوم لصيقا بالمؤسسة الإجتماعية الفاعلة في سياقه, وحينما أتطرق بالإشارة لسياق المؤسسة الإجتماعية فإنني أعني التنظيمات ذات الأشكال المستحدثة التي أصبحت بمنطق المصالح التي فرضها التيار العولمي تشكل ضآلة نفعية للفرد, عوضا عن المؤسسات التقليدية التي صب الإهتمام عليها في مراحل سالفة كالأسرة, والمدرسة وسواها من مؤسسات إنماء رأس المال الإجتماعي, فمفهوم رأس المال الإجتماعي كما يحدده منظر السوسيولوجيا التربوية (بوردو):”هو ما يتوفر للفرد من موارد ومصادر إشباع حاجات وتحقيق أهداف ناتجة في الأساس من كون الفرد عضواً في جماعة اجتماعية., أي أن تلك العضوية توفّر للفرد موارد اقتصادية لم يكن ليحصل عليها لو لم يكن منتمياً إلى تلك الجماعة…” وهو أيضا ملتصق في معاصر الحال بما أشار إليه الباحث (بوتنام) في سياقه تأكيدا على الثقة والمعايير وشبكة العلاقات الاجتماعية التي تهيئ للتعاون المتبادل بين أفراد الجماعة.., فهذه المؤسسات من الإمكان بمكان النظر إليها نظرة “فاعل وجودي في النسق الإجتماعي”, عوضا عن كونها ملتجآت نفعية أو ترفيهية ينشط فيها الأفراد بغرض إستكمال حاجات وجودهم الثانوية في السياق الإجتماعي, ولنضرب مثالا جليا على ذلك, فاليوم تعج الدراسات والبحوث والمناقشات التي تتداول حول قضايا “الإنحراف,العدوان,التنشئة,المخدرات…الخ” من سياق ذات المشكلات الإجتماعية بالتحليل والتفكيك, وحينما نفرغ إلى النتاجات أو التوصيات لابد أن تصدر بالقول تفعيل دور الأسرة والمدرسة في مواجهة تلك المشكلة..دون النظر في واقع الأسرة المعاصر والإمكانات والوظائف المستحدثة التي طرأت عليها, ودون أي محاولة للتأسيس لمنظور تربوي جديد ينفي الأساليب التقليدية المفرغة من التعاطي مع الأفراد بكونهم أبناء, لا ممتلكات, وأسلوب التربية المعاصر الذي يتعاطى بعقلية التهميش والتحرر اللامحدود..

أقول دوما أن المشكلة في سياق هذه الإرهاصات مشكلة ثقافية بحتة, وليست مشكلة مؤسسات وأدوات وموارد وآليات, فالمجتمع العربي بالإمكان بمكان أن يمتلك أفضل التقانات وينشئ أحدث المؤسسات, ولكن عمق التجذر في الخلل كائن أساسا في الذهنية الإجتماعية, وكذا الحال بالنسبة للعولمة التي تقتضي إيجاد نمط جديد من ثقافة المأسسة يؤدي بالضرورة إلى نمط مستحدث من مأسسة الثقافة, إلا إنها لا يمكن أن تقوم على ذات المخاض الثقافي الضحل والعسير الذي تنعق به الثقافة العربية..

المسملة الخامسة:وهي تتعلق بمسألة التحول في مبادئ السلطة والنسق الفكري القائم عليها, فالعولمة بما أمكنته في سياقها التقاني, وبما حملته على سحائبها من أنماط التداخل الفكري ووسائط التنوع الثقافي, تشكل في كينونتها المناخ الخصب للتحول في النسق الفكري لسلطة الحكومات في السياسة العالمية, فالتغني بالأشكال الرثة المتهافتة القديمة للديموقراطية على سبيل المثال, والمختزلة في ديموقراطية الصندوق أو ثنائية الناخب والمنتخب, أصبح من السذاجة بمكان الحديث عن تأثيرها في مسارات التحول السياسي أو الإجتماعي أو التنموي لأي مجتمع كان, فمنطق العولمة المعاصر فتح السياقات جلية لأن يسهم الفاعل الإجتماعي (فكرا,ومداولة,ونشاطا,وصوتا) في طرح بصمته الفاعلة في سياقات شتى, وليس بأدل من ذلك “حراك الربيع العربي”, الذي تأسس جزء كبير منه على شكل مستحدث من أشكال الديموقراطية التشاركية, إفتعله الفاعلون الإجتماعيون, عوضا عن السلطات والسياسات, وعلى ضوء ما سبق يمكننا الحديث اليوم عن تحول آخر من التحولات الجذرية في السياق ذاته, فرضته إرهاصات العولمة ومخاضاتها وهو إعادة تنظيم العلاقات البينية الإقليمية, وإستحداث منطق الفعل عن بعد, وذلك يتمثل تماما بما يقوله الباحث السياسي روزينو الذي يقول:”إننا لم نعد نعيش في عالم تتخذ فيه الدول من نفسها مركزا له,إذا تضطر الحكومات إلى تبني مواقف أكثر إنفتاحا وفعالية تجاه مسألة الحكم في ظل شروط العولمة الأكثر تعقيدا..”

المسلمة السادسة: العولمة سواء لمن يعتبرها “تيارا” أو “حركة فكرية” أو “إمكانية حضارية”, في شتى المحددات الثلاث لابد أن نفقه إنها تشكل عملية دينامية مفتوحة, تتعرض هي بدورها للتأثر والتغير, بل هي في كينونتها عملية تتطور بصورة تتميز بالتناقض وبوجود تيارات أخرى قد يتعارض إحداها مع الآخر, فالعولمة لا تتحرك على مسار وحيد, كما يتبرمج على صيرورة تصورة العقل العربي, بل على مسارات مزدوجة, تزدحم فيها الصور والمعلومات والمؤثرات, وتسهم فيها عمليات الهجرة ووسائل الإتصال والإعلام بما تنقله من أنماط التعددية الثقافية, وبما تجسره من تقاطع الثقافات والجماعات الفكرية, وبالتالي فهي تمثل عملية إنعكاسية حافلة بتدفق الوصلات الثقافية المتعددة الأبعاد..وذلك هو الصلب الحقيقي حينما نقول أن العولمة هي إمكانات عوضا عن كونها تيارات..!

إذن خلصنا من تلك الملسمات, التي أرتأيت فيها النموذج الأمثل لتعاطي البناءات الإجتماعية العربية مع تحولات المشهد العالمي, وما يترتب عليه من تمظهرت وآثار على بنية المجتمعات وحركتها الذاتية, إذ إن المنطق الرئيس الذي يمثل الرهان الفاعل أمام مجتمعاتنا العربية هو منطق “الحركة الذاتية”, والتي كما أسلفت تفصيلها مسبقا بكونها, إذابة كل المعيقات التي من شأنها عرقلة المجتمع في محاولته لتسخير تلك التحولات في صالح خدمة إرتقائه ونمائه, والخلق منها نموذجا فعليا يحقق له نهضته الذاتية, ويرويه من فيض النفس الحضاري المتوائم مع إرهاصات معاصره, ولكن على وفاق ذلك كله فإن من الضرورة بمكان إن نتبين طبيعة المعيقات السوسيولوجية, تلك التي تتأطر في مشهد الواقع العربي معيقة تلك الحركة الذاتية , ولنفكك إرهاصاتها في ثلاث وحدات رئيسة كالآتي..

المجتمعات العربية بين التنجيم العولمي والحركة الذاتية..(3\3)

images (1)

الوحدة الأولى: (تماهي السلطات السياسية بمنطق اللاعبون بالمصائر)

إن أشد المعيقات للحركة الذاتية للمجتمعات والميكانزم الأول لتعطيل تشكله الذاتي والتوافقي مع إطاره الحضاري, هي مسألة التدخل التعسفي من قبل القائمين على أنساق معينة في تعطيل الحركة الذاتية للمجتمع, متمثلا في محاولة صياغة إيديولوجية إحادية يتشكل عليها المجتمع “عملياته ومساراته وأنماط الفعل الإجتماعي فيه”, من خلال تغيير الصورة النمطية في أذهان الفاعلين الإجتماعيين, وبرمجتها على وفاق رؤية أحادية, أو إبقاء المجتمع ضمن إطار ثابت لا يتسق مع حركته الذاتية, وفي السياق العربي إنتقل دور السلطة السياسية من فعلية كونها “المحرض الفاعل” على الحركة الذاتية والتماشي مع منطق العصر, إلى كونها المهيمن اللاعب بالمصائر, وعلى مدار العقود الماضية لم تفلح أنماطها سوى أن تشكل من المجتمع معملا للتجارب الإيديولوجية..,

إن السلطة السياسية في العالم العربي لم تنفض بعد من كونها المهمين على الأنساق والبناءات الإجتماعية عمومها, في العقل والفكر والممارسة, إن ذلك يفضي بنا إلى القول, أن المشكلة ليست في صميم بناءات المجتمعات العربية, بقدر ما هي كامنة في الصورة النمطية لأولئك اللاعبون بالمصائر, الذين يحاولون تشكيل المجتمعات على ما يخدم مصالحهم ويحبذ أولوياتهم.., إن التاريخ يكشف في هذه الزواية بجلاء كيف إن التعادلية التامة والمنطق الحكيم والموزون لتدخل السلطة السياسية في حركة المجتمع, يشكل المحفز الأبرز له على تفعيل حركته الذاتية, وإذابة حواجز الولوج للفاعلية الحضارية, فحينما نأتي لتمعن ما فعله “الميجي” في اليابان على سبيل المثال حينما بدأوا العملية التحديثية, ثم تركوها للمجتمع بآلياته وأنساقه ومحركات وقدرات الفاعلين الإجتماعيين فيه, أو حتى ما فعلته السلطة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الأزمة الإقتصادية الكبرى في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينيات من القرن العشرين, حين تخلت عن إنعزالها الإقتصادي عن المجتمع وتدخلت لحل الأزمة, حتى إذا ما استعاد المجتمع حركته الإقتصادية الفاعلة فتركته لحالته وعينها الدؤوبة ومنطق تدخلها الموزون عليه.., إن خلاص الكلام في هذه الوحدة هو كما يؤكد المفكر تركي الحمد في كتابه “السياسة بين الحلال والحرام” قائلا: “أن السلطة السياسية يجب أن يكون لها دورا نسبيا موزونا بالتكافؤ مع الأنساق الأخرى في المجتمع, في تأطير حركة المجتمع وليس تشكيلها, والتدخل الوقتي وليس التدخل الدائم ,هذا إذا ما أريد للمجتمع أن يستمر حيا,وإذا ما أريد للسلطة أن تستمر”..

الوحدة الثانية: (النسق الثقافي وتشرب الأدلجة والتمويه)

إذا ما ربطنا القضية بسوسيولوجيا الثقافة ومنظوراتها, فإن ذلك يظهر لنا خللا عميقا آخر, يتمثل في “أسس صناعة النسق الثقافي وتشربه للأدلجة والتمويه”, حين أن الثقافة المتوازنة هي تلك التي تتعادل في أسس صياغتها وتشكيلها بين أنماط المعرفة الدينية, والإجتماعية, والعلمية..,بحيث تشكل تلك المكونات بناء هيكيليا متوازن النسب والفاعليات في مأسسة الثقافة, وإذا ما جئنا للثقافة العربية فإن خلل يستفيض بشكل نسبي بين مجتمع وآخر, فمجتمعات يغلب عليها طابع المعرفة الدينية على ما سواها من المعارف والمكونات, وأخرى تنعج بالمعرفة الإجتماعية الساذجة مغلبة أياها على مشكلات النسق الثقافي الأخرى, وبين هذا وذاك لا تفرغ العملية من تأثير الفاعليين الثقافيين القائمين على مأسسة النسق وإدارته, بحسب علاقات القوة القائمة فيه من زاوية, وبحسب أولوية المكون الثقافي السائد من زاوية أخرى.., إن عدم التوازن في مكونات النسق الثقافي العربي, مآل أفرغ حتمية وصيرورة وجودة “إعتقال للوعي والإرادة الثقافية الحرة”, التي بدورها هي الآخرى شكلت مناطات من صور الإمتثال الجبري والطاعة الآلية ودرجات القنوع بما ينعكس حتما على سلوكيات الفاعلين الإجتماعيين, وتعاطيهم مع الأحداث الدائرة..

إن التجسيد المتأسس في صلب الثقافة العربية, يتعاطى مع محددات ظاهرة العولمة على شاكلة خلط متفاقم للمفاهيم بين “العولمة والعالمية” فالصورة الذهنية المرتسمة في عموم العقل العربي والتي تنبثق منها كينونة التعاطي والسلوك القائم هي صورة للعالمية لا للعولمة بتجلياتها وإمكاناتها..

-  إن العالمية كما يصفها (ألفين توفلر) في كتابه “الإقتصاد الناعم” “هي مقولة من مقولات الحداثة والتي إرتبطت بتفوق الغرب وتوسعه في أرجاء المعمورة, وهي بالتالي ثمرة للإكتشافات والثورات الحديثة,الجغرافية والإقتصادية والسياسية, التي بدأت منذ قرون مع إكتشاف العالم الجديد”..

-  والعالمية كتيار فكري حداثي, تقوم على نشر فكرة أو عقيدة أو دعوة أو صيغة أو ثورة من الثورات, كالتقدم والإشتراكية والعلمانية والديموقراطية والتنوير بصيغة الفرنسية..

- من هنا فإن العالمية تقابل الخصوصية محيلة إياها إلى ما هو كلي وعام, إنها خصوصية ثقافية خلاقة ومنتجة تمارس بصورة عالمية بوصفها مركزا مهيمنا أو نموذجا يحتذى..

-  العالمية تختزل العالم إلى مجرد فكرة, هي مفهوم أو تصور أو وهم أو عقيدة أو ثنائية ضدية, كما إختزله الفلاسفة والمنظرون عبر مقولات, كالتنوير أو الفكرة الملطقة, أو الإشتراكية العلمية, أو نهاية التاريخ أو الليبرالية السياسية, أو عبر الثنائيات كالمادية والمثالية ,أو الواقع والتصور..

-  العالمية في سياقها يمكن أن نصفها, بإنها محاولات لفكرنة العالم المركب, أو أدلجة للواقع الحي, أو ضبط للوجود المحسوس والمضطرم, عبر النظريات الشمولية أو الأنساق المحكمة..

-  العالمية هي المحك الذي على غراره نما عود الإيديولوجيا وإزدهرت سطواتها في شتى سياق وفي غير محل…

-  أما العولمة فهي في صورتها التفكيكية مضادة تماما للمعطى الذي تتأسس عليه صورة العالمية, فالعولمة كما يصفها فرنسيس بيزاني في مقالته الشهيرة “حدود الفضاء السبراني” بالقول: “إنها مقولة راهنة ,من مقولات ما بعد الصناعة وما بعد الحداثة وقد إرتبطت في أسس إنفجارها بتطور تقنيات الإتصال على نحو ضافت معه الأمكنة وتقصلت المسافات إلى حد جعل الأرض قرية صغيرة تسبح في هذا العالم العددي الذي يتشكل من الفضاء السبراني”..

-  ورغم عدم إتفاقي مع العبارة الرنانة القائلة بكون العولمة هي “تحويل للعالم إلى قرية كونية صغيرة”, إلا إننا من الممكن أن نستشف عمق الفرق بين العولمة والعالمية, في أن العولمة قائمة أساسا على التبادل عوضا عن التعميم والأقلمة والتدويل..

- هي في مضمونها تبادل للرسائل والإشارات على نحو يلغي الفواصل بين المحلي والوطني والعالمي, ولذا فهي تحيل إلى ما هو شامل وكوكبي ومشهدي, إعتمادا على القوة الحضارية للمجتمعات وقدرة الفاعلين الإجتماعيين على الإسهام في سياق الفاعلية الذاتية الحضارية..

- من النقاط الغاية في الأهمية التركيز عليها, أن العولمة ليست مجرد نموذج يجري تعميمه بقدر ما هي رسائل يجري تبادلها, وهي أيضا ليست مجرد حركة بين مركز وطرف, بقدر ما هي زحزحة متواصلة للمركز وتغيير دائم للإتجاه..

-  العولمة ليست في سيرورتها إختزالا للأحداث أو تحويلا للمشهد العالمي إلى شعارات أحادية أو إيديولوجيات متفردة, أو إختزال للوقائع إلى مجرد عقيد أو تجسيد لفكرة أو إنعكاس لضيغة معينة, بقدر ما هي إصطناع لواقع جديد يتحول فيه كل معطى عيني أو ذهني إلى كائن رقمي يحدد وجوده وفاعليته السوسيولوجية…

خلاصة عموم القول في هذا السياق, وعلى هذا الأساس تنطبع في العقل العربي التصورات الرثة المنبثقة من الخلط المتمفصل بين مقولة العالمية, وما يصاحبها من صور ذهنية, ومقولة العولمة بالإمكانات والقدرات التي تختزنها.., حيث أن ما يلج إلى (عموم) العقل العربي حين تطرح قضية العولمة والتي دائما ما تكون مرهونة بإحدى قطبين أساسيين من التفسيرات (التفوق الغربي الذي بدوره يعزز سطوة الإنهزامية التاريخية) أو (الغزو الثقافي الذي هو تعبير عن ضآلة العجز الحضاري في تمثل المنجز الحضاري الجديد وتوظيفه), وعليه تنشأ الحواجز وتشيد جدران الهوية والتوجس من كل معطى جديد تحمله سحائب العولمة إلى سياقها الكوني..,إذن ما نحن اليوم بحاجة ماسة إليه, هو التفكيك الدقيق للمفهوم وإعادة تركيبه وتشكيله وبنائه في كيان العقل العربي, توازنا مع تفكيك وإعادة تشكيل الممارسات القائمة على المفهوم المغلوط للعولمة, وتجلياته في بنية المجتمعات, لتتسق مع ركوب سكة قطار الحركة الذاتية وذلك يقتضي وقفات جذرية تحليلية مع “الأنساق التعليمية والثقافية”, وما ترسمه من معالم قد تكون في الأغلب الأعم تتنافى مع تجليات المفهوم الدقيق الأصح للعولمة..,وهذا يقودنا بدوره إلى الوحدة الثالثة في السياق المتصل والتي هي

الوحدة الثالثة: (النسق الفكري والعلمي وعلكة الممارسة التنقيبية الكلاسيكية)

ماذا لو تصفحنا الأطروحات البحثية والعلمية والرؤى الفكرية الممثلة في المقالات والكتب والمناقشات بشأن العولمة في السياق العربي, ما الذي أنتجته كل تلك القراءات وما المحاور, التي ما أنفكت تعلك علكتها في السياق ذاته, عناوين معهودة (العولمة والهوية,سلبيات العولمة,تاريخ العولمة,إيجابيات العولمة,العولمة والثقافة العربية…الخ), ووسط كل ذلك ندر أن تجد مناقشة مستفيضة نحو “توطين العولمة” “وعولمة التوطين”, بمعنى أين تكمن القدرة الحضارية لمنتجاتنا الحضارية العربية في حقلها الإنتاجي, كي تكون فاعلة في نسق العولمة المعاصر, ثم وما هي المنتجات الحضارية العولمية التي أنجزت ووظفت بشكلها الأمثل توطينا وتمدنا في المجتمعات العربية دون “مكابرة حضارية”, فإرتقت بأنساقها وعززت حركتها الذاتية, كتبت مرة على تويتر “قبل أن نؤسس “لتوطين العولمة” نحن بحاجة إلى قدرة باهرة على “عولمة التوطين”..!, إن المحك العالمي اليوم يشكل ثمة منطق جديد يشتغل مع الفضاء الإلكتروني, لا تعود معه الوقائع على ما كانت عليه, إذن نحن كما يصف ريجيس دوبريه عالَم العولمة بالقول :”إننا أمام عالم شبحي أثيري”, المنهجيات ومجالات الإهتمام, الأطروحات والمناقشات, القضايا والإستفاضات, التي قد كانت ولا زالت تحت مجهر التنقيب العلمي والمعرفي العربي, لابد أن تجدد من خلاياها وتستأصل جذور الكلاسيكية المستفيضة فيها, يجب أن لا تكتفي بالوقوف على تشخيص الوقائع المعاصرة والدندنة على أوتار تاريخياتها والإكتفاء بتتبع عورات تحولاتها, بقدر ما يتسحدث عليها رهانا قويا, يتمثل في صياغة النماذج وإبتكار النظريات التي من خلالها تتجسد للمجتمعات “بنية وأنساقا وفاعلين” الهيكل الصلب الذي من خلاله تواجه كافة المعيطات في المشهد العالمي, وتسهم فيها “أي أن يشارك في صياغة الحدث” لا أن تكتفي بالجلوس أمام شاشة متابعته..! ذلك هو الرهان,,

سوسيولوجية قراءة التراث العماني..

6c83271c788108f0b156e8dbc6a21f9e

يقول المفكر الإسلامي جمال الدين الأفغاني:”لا جامعة لقوم لا لسان لهم، ولا لسان لقوم لا تاريخ لهم، ولا تاريخ لقوم إذا لم يقم منهم أساطين يحمون ذخائر بلادهم ويحيون مآثر رجالهم…”

من المعقود سوسيولوجيا, أنه لا يمكن لأي مجتمع أن يستمر في نفسه الحضاري مالم يمتلك نسقا ثقافيا حاويا بين سياقاته معالم من تاريخ المجتمع الفكري وتراثه المادي والمعنوي, حيث يشكلان بالنسبة لصلب النسق الثقافي المخزون الرمزي والعقدي والنظام الفكري داعمان جوهرعملية توجيه وضبط الأنساق الرمزية داخل المجتمع, كما يؤكد عليه منظر علم الإجتماع “تالكوت بارسونز”, لكن بالرغم من ذلك فإن هذا المضمون الثقافي (التراث والتاريخ),تختلف مناطات قراءته من مجتمع إلى آخر بحسب سوسيولوجية العوامل الداعمة لتلك القراءة, وأقصد بالقراءة هنا (الموقف الذي يتخذه المجتمع من الماضي والتاريخ والتراث,والآليات التي من خلالها يوظف ذلك المخزون الثقافي في ويجسده في سبيل نهضته ونمائه وإرتقائه,والمكانة التي تجسدها أهمية المحافظة عليه بين عموم قيادات المجتمع والفاعلين الإجتماعيين فيه)..,فثمة ثقافات إجتماعية تمارس عملية القطيعة الإبستمولوجية مع تاريخها وتراثها،وتعتبر نفسها وليدة الحاضر بكل جوانبه وحقوله,بل ويجنح بها الأمر إلى إعتبار ما وصلت إليه في معاصرها هو مبلغ الكمال أو ما يعرف “بنهاية العقل الحضاري”كما استلهم بعض المفكرون تسميته..

إن التراث بمفهومه السوسيولوجي هو الحصيلة من المعارف والعلوم والعادات والفنون والآداب والمنجزات المادية التي تراكمت عبر التاريخ,وهو نتاج جهد إنساني متواصل، قامت به جموع الأمة عبر التعاقب الزمني,وأصبحت هذه الحصيلة المسماة (التراث) تشكل مظاهر مادية ونفسية ونمطا في السلوك والعلاقات،وطريقة في التعامل والنظر إلى الوقائع..”

وعلى ضوء ذلك ينبغي التأكيد إن التاريخ والتراث ذاكرة الأمة ,ومنه فإن محددات القراءة السوسيولوجية الفاعلة لشفرات تلك الذاكرة يتمظهر من خلال:

1-  الحفاظ الرمزي على أسطورة الماضي بوصفه منجزا واصما..

2-  القدرة على الإستفادة من تجارب الماضي وتوظيف ذاكرة الأمس لخدمة الراهن والمستقبل..

3-  عدم توهم الإكتمال والكفاء من بؤرة المنجز التاريخي فحسب..

4-  الإنكفاء عن إعتبار التراث إجابة جاهزة عن أسئلة الراهن,أو إعتباره مجرد وعاء وذاكرة..

وفي مجتمعنا العماني,كان هاجس القراءة المثلى للتراث العماني متجليا في صيرورة المسيرة الحضارية للدولة الحديثة,والشغل الشاغل للقائمين على قياداتها والعاملين على إدارة أنساقها الثقافية,حيث يمثـل الحفاظ على التراث العماني ركيزة أساسية من ركازات بناء الدولة العصرية وملحما من الملامح المميزة للمجتمع العماني يجسد كون التراث عنصر أساسي في تشكيل الهوية الوطنية,وضابط حقيقي للنقلات النوعية في مسارات التنمية المختلفة (بحيث تكون غير صادمة سوسيولوجيا للمجتمع,غير مخلة بالكيان الثقافي والإجتماعي والقيمي فيه,وغير رادمة لبزوغ تألق أصالة تاريخه وتراثه)

كتبتُ مرة على تويتر:”واحدة من ميكانزمات التوازن التنموي في المجتمع العماني أنه إنتقل من مفهوم الحفاظ على التراث إلى مفهوم القراءة السوسيولوجية الفاعلة للتراث..”

ولعل العودة بالذاكرة إلى الخطاب السامي لجلالة السلطان في العيد الوطني الرابع والعشرون المجيد والذي وافق عام التراث العماني حين ذكر جلالته في نص كلمته:”لقد أثبت التاريخ بما لا يدع مجالا للشك،أن الأمم لا تتقدم ولا تتطور إلا بتجديد فكرها وتحديثه.وهكذا الشأن في الأفراد. فالجمود داء وبيل قاتل عاقبته وخيمة، ونهايته أليمة..

‏لذلك عقدنا العزم منذ اليوم الأول للنهضة المباركة ألا نقع في براثن هذا الداء. وبقدر ما حافظنا على أصالتنا وتراثنا الفكري والحضاري عملنا على الأخذ بأسباب التطور والتقدم في الحياة العصرية. لقد كان واضحا لدينا أن مفهوم التراث لا يتمثل فحسب في القلاع والحصون والبيوت الاثرية وغيرها من الأشياء المادية، وانما هو يتناول أساسا الموروث المعنوي من عادات وتقاليد، وعلوم وآداب وفنون، ونحوها مما ينتقل من جيل إلى جيل، وأن المحافظة الحقيقية على التراث لن تتم ولن تكتمل إلا بإعطاء كل مفردات هذا المفهوم حقها من العناية والرعاية”

إن النص السابق يفيض بنا إلى تحليل المحددات الأساسية التي إنتهجها الفكر القيادي لجلالته في القراءة السوسيولوجية للتراث والتي نلخصها في الإرهاصات التالية:

المحدد الأول: إن الرؤية الأمثل والقراءة السوسيولوجية الأنجع للتراث العماني في فكر القيادة تنطلق من مسلمة أن التاريخ يمكن أن يكون عاملا للدفع والمساندة الحضارية إذا ما تم النظر إليه نظرة موضوعية (تأكيدا على الجوانب الإيجابية فيه,وإستخراجا للعناصر الحية منه قصد إستمرارها ونموها,وهضم محدداته هضما تنمويا سليما دون الإغفال عن تحديثات المعاصر ومنجزاته) لذا فقد كان التنظير الفكري والإيقاع التطبيقي والمؤسسي وبؤات الإهتمام تظل بظلال العودة إلى التراث العماني قصد التزود وحفز الهمم، والإبقاء على الأمل، والتماس القدوة والأنموذج,والحافز المتين لإستفزاز جوانب الإبداع والإبتكار في المجتمع بغية تحفيزها وإشعالها,لأن التاريخ كما يقول (كروتشه):”هو بأجمعه تاريخ معاصر”..,وفي إطار ذلك فإن الفكر القيادي إلتمس بؤرة الضوء الوامضة التي تنطلق من كون الحفاظ على الهوية الثقافية والإجتماعية لا يتم عن طريق الإنطواء والهروب إلى الماضي وذكرياته العديدة, كما أنه ليس عن طريق الاستلاب والتبعية وإنما لايأتي إلا عن طريق إعادة تنظيم الحياة العقلية والمادية والأخلاقية للمجتمع،على ضوء ثوابت الحضارة والتاريخ..

وذلك ما يحويه قول جلالته في السياق:”…أن الأمم لا تتقدم ولا تتطور الا بتجديد فكرها وتحديثه. وهكذا الشأن في الأفراد. فالجمود داء وبيل قاتل عاقبته وخيمة، ونهايته أليمة…”

إن ما سلف التطرق إليه من محددات نظرية تؤسس لفكر قراءة التراث سوسيولوجيا يلتمس جليا من خلال وقائع إجرائية يعني لي تسميتها “التراثيات التطبيقية”,فالدولة العمانية لم تكتف بمجرد التغني بشعارات الحفاظ على التراث وتمثله كغيرها من المجتمعات الأخرى في السياق الإقليمي,وإنما إتجهت لتأسيس المماثلات والمفاعلات التي تنتقل بالمجتمع مع حالة الإنتكاس في الحفاظ على التراث إلى حالة توظيفه وتجسيده”قراءته سوسيولوجيا”والشواهد على ذلك كثيرة,فالماعن الحثيث على سبيل المثال في سياق الإهتمام السامي بترميم القلاع والحصون والأبراج بأساليب علمية وبمشاركة كوادر عمانية مدربة,حفاظا عليها وتسهيلا لزيارتها والاستفادة بها,ضمن خطط متـكاملة وعلى نحو يعيد هذه الكنوز الحضارية إلى حالتها التي كانت عليها وباستخدام نفس الأدوات والمواد التي بنيت بها منذ مئات السنين وتدريب كوادر وطنية متخصصة للقيام بذلك,يدرك جليا أن مثل هذه الخطوة لا تقف عند حد التماهي والتباهي بالتراث بقدر ما تجسد في المقام الأول محاولة للإستقاء منه معلما حضاريا يصم السلطنة بوصمة متفردة في سياقها الإقليمي والدولي, ومن ناحية أخرى توظيفه في سياق دفع حراك السياحة التاريخية والثقافية,ومن زوايا ثانوية الخلق منه مجالا حثيثا وسياقا فاعلا ليمارس الفاعلين الإجتماعيين المهتمين فيه مهاراتهم وقدراتهم في الإنجاز في ذات السياق..

المحدد الثاني: وهو القراءة الدقيقة لإرتباط مفهوم التراث بمفهوم الواقع والهوية ومتطلبات المرحلة, حيث إن الهوية في فكر قراءة التراث العماني لا تعبر عن ذاتها في الإنحباس في براثن التراث,بل في الكفاح المستميت في تطويره التطوير المتدرج والتوازني ليغدو تراثا عصريا تتحرر فيه الذات الإجتماعية والذات الفاعلة من رواسب الماضي اللامجدية، وأوهام المستقبل المجهول والغامض.. إن الهوية تتجسد في إطلاق إمكانات الذات الفاعلة ومعها تأتي الإجتماعية في البناء والتطوير,وهذا هو الرأسمال الأول،الذي ينبغي استخدامه لتنمية راهانات الوصول إلى بناء المستقبل المنشود.

إن القراءة التي تنتهجها القيادة الحكيمة لجلالة السلطان المعظم تعمل وفيق صيرورة تحويل التراث إلى مصدري حيوي لمدارس “ثقافية ,إجتماعية,تأسيسية,إقتصادية,تجديدية” تسعى لبناء المجتمع وفق ثوابته التاريخية والحضارية,وبإستمرار تلح ضرورة القراءة السوسيولوجية للتراث، والتعلق بالخصوصيات الحضارية أبان خضوع المجتمع لعمليات تغيير ثقافي أو اجتماعي سريعة، ولا تنسجم والخصوصيات الذاتية..

وهذا ينطلق من قول جلالته: “…وأن المحافظة الحقيقية على التراث لن تتم ولن تكتمل إلا بإعطاء كل مفردات هذا المفهوم حقها من العناية والرعاية…”

المحدد الثالث: وهو”المأسسة المتوازنة للتراث,وبناء نبضه وصورته وكيانه في النسق الإجتماعي”: إن عملية التعاطي الأمثل مع التراث “قراءته سوسيولوجيا” تقتضي الوقوف علي محددين نموذجيين:

-         أولهما “الجانب المعرفي والإبتسمولوجي للتراث”والذي يتحدد بالعلم بالتراث:فمن الثابت أن مجموعة البشرية التي تنفصل عن تراثها وماضيها،بداهة فإنها تقوم بعملية بتر قسري لكل الروابط المعرفية والإبتسمولوجية لشعورها النفسي والثقافي والإجتماعي به,وهذا بدوره يولد الشعور بإحدى متلازمتين “الإستلاب الحضاري” أو “الإغتراب الحضاري”,لهذا فإن العلاقة التي ينبغي أن تربطنا بتراثنا،هي علاقة (العلم)،حتى نتمكن من الاستفادة القصوى من المخزون الرمزي والمعرفي والشعوري الذي يوفره التراث للعالم به..

يذكر الدكتور سعيد الهاشمي في دراسته بعنوان :” الهوية والوعي التاريخي في المناهج الدراسية  في سلطنة عمان”:…عكست فلسفة التعليم مبادئ النظام الأساسي للدولة في الموجهات الرئيسة والمنطلقات في المناهج الدراسية الاجتماعية،حيث تشير هذه الموجهات إلى تربية الأجيال والمحافظة على التراث الوطني ومقوماته،وتعزيز الوحدة الوطنية بين أفراد المجتمع،والعمل على إيجاد جيل قوي في بنيته وأخلاقه، يعتز بأمته ووطنه وتراثه، ويحافظ على منجزاته…”

-         أما المحدد الآخر فيتشكل من خلال التشكيل البنائي الرمزي المضاف إلى التراث:فبما أن التراث عبارة عن الجهود الإنسانية المختلفة، التي أثرت في مجرى التاريخ الحضاري وأثرت الحركة الذاتية للمجتمع, فإن إيقاف مسيرة الإبداع الإجتماعي يتواصل تأسيسا على ملمح العلاقة التي تربط المجتمع بالتراث والتي هي في يوتوبيتها ينبغي أن تكون علاقة  الإضافة, بمعنى دفع الجهود الإنسانية في مختلف الحقول والجوانب لاستمرار حركة الإبداع في راهننا..ويخطئ من يعتقد أن أوروبا الحديثة، تنكرت لتراثها وماضيها، وإنما الشيء الذي قامت به هو التخلي عن نظرة الكنيسة التي كانت تنظر بشكل سلبي، إلى حركة المجتمع وسعيه نحو الانفكاك منها..

وهو ما يؤكد عليه جلالته بالقول:”…بقدر ما حافظنا على أصالتنا وتراثنا الفكري والحضاري عملنا على الأخذ بأسباب التطور والتقدم في الحياة العصرية…”

وما الإعلان الأخير عن الصرح الشامخ في سياقه “كلية الأجيال للعلوم والصناعات الحرفية والمهن التقليدية” إلا تعبير صريح عن تجليات نجاعة الفكر في مقاربة إبتسمولوجيا التراث مع رهانات العلم الحديثة,الذي يؤكد على:

- الإضافة المعرفية والتأطير العلمي لمثل هذه الصناعات قصد إيجاد إطار متكامل تسري عليه وتنتظم من زاوية إحتراف إبداعها من جهة , ومن جهة أخرى ديمومة إنتاجيتها والتطور الفاعل في سياق ذلك..عوضا عن إكساب الممتهنين لها كافة المهارات الضرورية اللازمة وإمدادهم بجديد الخبرات والمعارف في سياق ذلك..

- الإنتقال بالتراث من حالة “التمنظر والمحافظة” إلى حالة الإسهام الفاعل في النسق الإقتصادي للمجتمع, من خلال ما تم تعهده برعاية الممتهنين لهذه المجالات إقتصاديا من خلال جوانب الدعم المختلفة, وكذلك التسويق للمنتج التراثي المعصرن داخل وخارج أسواق السلطنة , وتنشيط السياق الإقتصادي لتداول المنتجات بين عموم المهتمين بسياق الصناعات الحرفية والمهن التقليدية..

- التوظيف الأمثل للإمكانات العلمية والتقانة المعاصرة في سبيل إثراء وتعزيز الإرتقاء بمثل هذه الصناعات وجعلها منافسة للصناعات الأخرى في العالم..

وعوضا على ذلك فإن من جوانب التراثيات التطبيقية التي تعكس القراءة السوسيولوجية الماعنة للتراث العماني مسألة التأسيس لدور ومكتبات ومحاضن رعاية المخطوطات الأثرية, بحيث أن السياق الذي تنشط فيه المديرية العامة للوثائق والمخطوطات بوزارة التراث والثقافة بتصنيف والعناية بشتى أنواع المخطوطات والأثريات والتي بدورها تشكل واحدة من الثروات الفكرية والتاريخية الفريدة,ومسألة الحفاظ عليها بطرق وأساليب علمية متطورة,ما هو إلا رفد للسياق العلمي والبحثي والمعرفي وإضافة وتيسير للإستفادة العلمية والمرجعية من مثل هذه التراثيات المعهود..

من حقنني بحقنة النمطية..؟!

images (1)

قبيل أن يرفع النداء لصلاة الفجر بقليل, تصلني رسالة “فيس بوكية” تطلب مني مراجعة مقال فكري معين, أو “تغريدة تويترية” تدعوا للمشاركة وإبداء الرأي في سياق “وسم قضية ما”, أو “رسالة هوتميلية” تطلب الإثراء بمراجع فكرية عميقة لسياق بحث أو دراسة معينة, في الوقت ذاته أتتبع الإشعارات الواقعة على موضوع نشترته مسبقا, والتفاعل المحتدم على تغريدة إختصرت حدثا بنهج الأدب الحديث “أدب 140″, في الحين الذي أشاهد التفاعل والمشاركات التي تتابع على رابط مقالة نشرتها على مدونتي الشخصية, وأراها تغزوا الصفحات وتسكب رسائل الإعترافات على تحديثات المشتركين والمتفاعلين..,أحاول الخروج من زحام ذلك الموج الجارف من التدفق الأدبي والفكري لهؤلاء المشاركين, لا أجد سوى نبرة صوت المؤذن تعلوا بإسم الحق فإلتمس الخروج وعيناي لا تكادا تفارقان أكوام الإشعارات المتهاطلة..

أعود بعد فراغي من الرابط الروحاني, مهللا لنقاشات وتداولات أخرى تستفيض بها مملكة الإعلام الجديد, أشاهد خضما من الحوارات الدائرة, أتردد في المشاركة، ولكن التدفق الأدبي لهؤلاء المتحاورين يدفعني لقول شيء بسيط، فتشتعل الساحة مرة أخرى ليشترك فيها قادمون جدد، حتى أشعر بأن الوقت قد توقف، وتسمرت النجوم وهي تراقب هذا النقاش المحتدم في زواياه الفكرية والثقافية, الذي أكاد أجزم أننا لم نسمع عنه إلا في الصالونات الأدبية في القاهرة، أيام الرافعي وتوفيق الحكيم وطه حسين وأحمد الزيّات وغيرهم…! أراها أياما تعود لكن بصيغة أخرى وبمصطبغ آخر..!

عوالم جديدة قصت شريطها وسائط الإعلام الجديد في كينونة حياتنا المعاصرة, رسمت نوعا جديدا من التواصل الإنساني بين البشر، تجعلك تمارس أريحيتك وتحقق ذاتك وترقى بها من حيث لا تعلم..وكم أستغرب عندما يعلق أحدهم بأريحية على صورة أو موضوع ما وضعه شخص آخر لا تجمعهما صداقة وطيدة، وكم أستغرب أكثر عندما نندمج في حواراتنا المفتوحة تماماً دون أن نشعر بالخجل مما نقول..!

سألني أحدهم ذات مرة – وهو سؤال لطالما تكرر مرات مسبقة في كذا مناسبة ومحفل – ما الذي ساعدك على الإرتقاء الفكري والولوج بقوة إلى ساحة المشهد الثقافي في هكذا سن متقدمة..!؟

ربما لطخت إجاباتي بشي من الدبلوماسية في مرات سالفة إبان محاضرات أو جلسات نقاشية أو حتى لقاءات أجريتها من ذي قبل, لكن دافع الإلحاح المضني من صاحبنا دفعني هذه المرة لقولها بصراحة: “حينما تكسر النمطية, يولد المبدعون, ولم يكسر نمطيتي سوى “الإعلام الجديد”..

لم تهاجم خلجات عقلي بؤرات التعجب حينما كتب صاحبنا على صفحته “إذا كان مفكرونا اليوم هم من أبناء دجاجة الفيس بوك فسلام على فكر العرب بما حوى”..! , المسكين مغلوب على أمره, متشبع في نمطيته, مرتدي حلل قوقعته بين ركام الأفكار النمطية والتصورات المثالية, أو لأسميها “لاهوت الوجود الجديد”, ظن أني حينما أجبته وكأن أفق ثقافتي وإطلاعتي تجسد من خلال ما يطرح على الفيس بوك وحسب, ولا أوجه سهام لومي على ذلك فالنمطية وهواجس التعميم التي نغرق فيها محددات أساسية لمثل هكذا تصورات ضيقة…!

علقت على منشور صاحبي بعد تردد إستفضت فيه مع عقلي بحوار داخلي, فكتبت قائلا:”لإننا نتجرع النمطية بحذافير ألوانها, فرغم كثرة المساحات الرمادية في حياتنا إلا أننا لا نملك إلا لونين:الأبيض القابع في مرثيات عقولنا وتصوراتنا, والأسود ما دون ذلك..!, لا أدري أين الخلل هل هي في أعيننا , أم في التفاصيل من حولنا..!”

لا ضير إن قلت إننا في المجتمعات العربية قد حقنا بحقنة ثقافية شبعت أجسادنا بفيض تكبيلاتها, وأرهقت كاهل المصلحين,المفكرين,ومن سواهم من الإستفاضة في زاويا الكشف والتشخيص ومعالجة الخلل الثقافي العربي, إنها حقنة النمطية التي تجرعها العقل العربي فصارت نارا تشعل في هشيم تصوراته وأنماط السلوك الدارجة على وفاق كينونة تلك التصورات والتمثلاث..ولنعلم بالحقيقة التاريخية إن أحسنا تأملاها إنه عندما ينتشر وباء النمطية في مجتمع ما، تسوده البلادة، ويغزوه الجهل, لا أبالغ إن قلت, إن النمطية داء حضاري، يورث الدعة، ويدعو إلى الاستسلام والتسليم, الاستسلام لا يحقق السلام، العمل الصادق وحده يمنح الإنسان سلاما فوق الأرض وتحتها..ولإن المجتمع النمطي يرتكز على الفرد الفاعل المحشو بالنمطية فلا يكون جل ما يسمو إليه إلا أن يقرأ ما أُريد له، لا ما يُريد، ويناقش مثلما تعلم في المدرسة وفي الجامعة، بصمت مجحف، يصاحبه رضى مزيف عن الذات..!

كل ما يربخ به العقل العربي اليوم من قيود النمطية دفع بالأفراد الكائنين فيه إلى الوصول لمرتبة الإيمان بأن الحياة وُضعــت لفتنة الإنسان، ولا يدري أن الإنسان هو الذي يفتن الحياة، بمرتكزات نواياه ورذاذ تصوراته، كل ما يجري حوله هو مؤامرة سابرة لغوار ثقافته ومنجزاته الحضارية – رغم أنني لم أفند حتى الآن أي منجز حضاري ذلك الذي يتحدث عنه -  وبعمله أيضاً, حقنة النمطية برمجت عقولنا دوما وتوجيها للسعي إلى إكتشاف حياة ما بعد الموت, وكأن حياة ما قبل الموت وضعت فقط “لينحب فيها الإنسان ويلطم ويدندن على أوتار الموت والأخرة”, كل ذلك جسد من شخصياتنا شخصيات لا تخشى الجهل بذات القدر الذي تخشى به المعرفة, فأصبحنا لا ندرك الطريق الأمثل للتعامل مع عمال المعرفة والمشتغلون بها, فلنجأ إلى ملتجآت العنف اللفظي والجسدي والإقصاء الفكري على أبعد تقدير..!

فرغ مصمم موقع الفيس بوك والآخر الذي أطلق عصفور تويتر المغرد, ومن سواهم ممن رسموا لمجتمعاتهم وذواتهم ملامح الرقي ومباهج المعرفة, فرغوا لنا نحن النمطيون لكي يخلخوا هويتنا, ويداهموا معتقداتنا وقيمنا, ويسطحوا معارفنا, ويجهلونا بواقعنا!, ذللك هو جل شأنهم !! (يا لها من عبودية مستحدثة يمارسها العقل العربي ما سمعنا بها من أحد من التاريخيين)..!

جسد “مشتغلوا الدفاع عن الهوية والقيم” – وهم الأجهل بها في مجتمعاتنا العربية – حملاتهم للتحديز والإنذار من علامات الصاعقة الكبرى (كما يدعون) لمجتمعاتنا العربية, فما كانت علكتهم التي ما أنفضوا يحركون بها أقلامهم ومنابرهم سوى “تجسيد الإعلام الجديد وتوابعه على أنها الفتنة الحضارية القادمة”, وما كان من المحقونين بحقن النمطية إلا إن أخذوا يرددون ما يسمعون دون أن يعوا حقيقة ما يقولون، فالنمطي مجبول بطبعه أن يحب تكرار الأقوال والأفعال والتشدقات والترنيمات, لا تحب هذه الفئة النقد بكل أنواعه، بل تنظر إلى الأفكار التي تتخالف مع ما يقبع من تراكمات ثقافية رثة في دواخل تكوينها العقلي نظرة المرتاب، وترمي أصحابها إما بالخروج عن الأعراف، أو بمحاولة تضييع أوقات الناس..

يتهافتون ويهتفون بشعارات صيانة “الأنساق الثقافية” و”النظم الفكرية” ويتحججون بصيانة العقل والهوية العربية, وهم يمارسون وأد الأفكار وإخماد الحوارات البناءة.., حضرت مع زميل لي ذات مرة معرضا أكاديميا يستعرض أفكار الطلاب لمشاريع بحثية متميزة , في زاويتين من المعرض وقفت عند دراسة تحمل عنوان “مواقع التواصل الإجتماعي والتأثير على الهوية”, والأخرى تحت عنوان” أثر الإعلام الجديد في تفكيك القيم الإجتماعية”, قلت لزميلي: لماذا نفكر نحب العرب بهذه الطريقة دوما..؟! قال: ربما هي منطقيات البحث الإجتماعي من يفرض ذلك.. !, قلت له: وهل البحث الإجتماعي سيفنى عندنا نحن العرب لمراعاة الهوية والقيم والعقول الرثة كما ترعى البهائم..!

لنتذكر دوما, العقول لم تخلق لكي تكبل وتقيد, بل خلقت لكــي تنطلق وتفكر وتضج فيها أصوات الأفكار المتعاركة..العقول ساحات حرب خصبة للأفكار،وكلما تعاركت الأفكار في داخل الإنسان، كلما عم السلام خارجه, وأظلته غمامها بالوئام والتسامح أكثر..

لم يكتفوا عند هذا الحد فحسب حتى غاروا بأنفسهم في الإعلام الجديد , ليمارسوا هوايتهم الدائمة على مرتاديها “اقتلوهم حيث ثقفتموهم” ولإن مرتاديها كثرة من النمطيون فهم لا يجرأون الخروج عن الملة, فما يكون لديهم سوى خيار الإنصياع والإتباع للمد الوهمي الزائف الذي هاجم تلك المواقع “من دروع الدفاع عن جاهلية الهوية”, فما كان من أصحابنا النمطيون إلا أن تراهم يكررون أنفسهم ، يبدأون من نقطة ما، وينتهون عند نفس النقطة، ثم يشعرون بالسعادة لأنهم يعتقدون أن سعيهم قد قادهم إلى نتيجة..هم لا يملّون، لأنهم لا يعرفون غير الملل عملاً، ويعتقدون أن السلام كامن في البساطة، ولا يدرون بأنهم يخلطون بين البساطة وبين السطحية.فالبساطة أن تقوم بعمل عظيم دون تكلّف، والسطحية ألا تقوم بأي عمل..

قدمت محاضرة منذ عام في “الأبعاد الفكرية لرقي المجتمعات العربية” ما كان من أحدهم سوى أن تلقفني بالسؤال بعد ختامها قائلا نريد خلاصة ما تقول “ما المشكل الحقيقي الذي يجابه النسق الفكري في مجتمعاتنا العربية..؟” فقلت:سأختصرها لك في كلمات ولك حرية الفهم:” لإننا نمطيون فالقلم في إيدينا بندقية, نتصورها أكثر نفعا كما أخبرونا , لا كما نقرأ أو ما ينبغي أن يكون”.. تلك هي حالة مجتمعات بأنساقها الفكرية اليوم, نبتغي النهضة والنماء في زوايا الفكر وأروقته ونهاجم”من ندعي بأنهم حماة الأبراج العاجية من المفكرين”, ونتناسى في الوقت ذاته “نمطيتنا الجارفة” “وعمال الدفاع عن الهوية المترفون بفيض خرافاتهم”, فنخوض نفس المعارك على الدوام لنحصد نفس الغنائم, دون أن نسلم بإن من من يحمل قلما عليه ألا يخشى ممن يحمل بندقية، فالأقلام لا تصدأ، والبنادق لا تورّث…!

طلبت مني إحداهن قبل مدة كتابة مقالة في فحوى الإنسانية وتجلياتها وكيف نرسم في معالم ذواتنا أسس البناء الأمثل لمدن الإنسانية, كانت تتحدث بأفق إنساني واسع يطبعه الأمل ثم الأمل ثم الأمل, لاشك إنني إستهلمت من كلماتها المعمقة بفيض من التجارب الكثير من المعاني والخلاصات المبهرة, صححت لدي الكثير من القناعات الرثة في مشوار “التخلص من نمطيتي”, التي أصبحت اليوم رهان “كل مبدع عربي”, و “كل باحث عن بارقة أمل وسط سحاب ما يختزن في ذاته من مواهب وإمكانات قدرات وخبرات”, لم أتررد في كتابة المقال ونشره وكان ملتجأي للنشر الأول هو “فيس بوك” فحين تتحدث عن موقع وصل عدد المشتركين فيه إلى أكثر من نصف مليار مشترك، يزور نصفهم صفحاتهم الشخصية بشكل يومي، أي أنه لو كان الفيسبوك دولة لكان ثالث أكبر دولة في العام، وفي الشهر الواحد، يقضي زوّار الموقع أكثر من سبعمئة مليار دقيقة في تواصل دؤوب مع الإنسانية جمعاء, فأنت في هذه الحالة تتحدث عن خيط من الأمل لإن تبلغ رسالتك آفاق لم تتخيل يوما وأن تعتصر ذاتك في براثن نمطيتها أن تصل إليها, تلك هي الإنسانية الحقة لغتها التفاعل الحي المثمر, وعنوانها الأبلغ الإثراء بمواجهة “المترفون بالدفاع عن جاهلية الهوية” بالكارت الأحمر الطارد…,كتابتي لتلك المقالة بفحواها ومغزاها لم تكن لترفد مسار قناعاتي وتصوراتي بأنماط جديدة من شمولية الفهم وإحتواء الوجود وبناء الفضيلة في الذات والإيمان بها لولا أن الوسيلة التي إرتسمت عليها تلك الرسالة كان هي الأخرى مدينة فاضلة تجسد كينونة المثال لتلك الرسالة “فيس بوك وأخوانه وأخواته من وسائط الإعلام الجديد”ألهمني التعرف على الإنسانية المحضة، المجرّدة من كل تعقيد، والمنقّاة من كل شوائب، فأحسست بأنني أتواصل مع الأرواح لا مع الأجساد..

إن النمطية التي تتخلخل في زاويا حياتنا الإجتماعية بممارساتها وأبعاد كينونتها لا تنفك سوى من وجود منطق جديد يحملنا إلى أن  ننير الحياة بمواهبنا،وبقدراتنا،وبنجاحاتنا وبقصص إخفاقاتنا، ويعلّمنا دائما أن نشعل الشموع، لا لكي ننشر النور، ولكن لكي نبدد العتمة، يقول طاغور:«من يحمل مصباحه خلف ظهره يرسل ظله أمامه».., ولم أجد أبلغ من عالم “الإعلام الجديد”خير مرتع نمارس فيه ذلك, فوسائطه وبرامجه ساعدتنا أن نبدو أمام البشرية جمعاء على طبيعتنا السمحة، البسيطة، الخالية من تعقيدات بعض المجتمعات وتوترها، وأثبت لنا هذا الفضاء الممتع المتسع، بأنه علينا ألا نخشى من كلماتنا، ولا من مشاعرنا، ولا من أنفسنا أيضاً.

أتذكر دعوة الداعية السعودي الدكتور سلمان العودة في شهر رمضان من العام قبل المنصرم حينما وجه، جميع المسؤولين والمثقفين لقضاء ربع ساعة على الأقل في اليوم على الفيسبوك لكي يتواصلوا مع الناس، وكأن الشيخ يقول بأن هذا الأمر يكاد يكون، بالمفهوم الاجتماعي وليس الديني، فرض عين وليس فرض كفاية…!

لن يكسر نمطيتنا سوى  عوالم الإعلام الجديد أو ما سماها أحد الزملاء “بلاد ما وراء الإنرنت”, التي أفرزت جيلا حقيقا متفتحا واعيا في شتى المجتمعات,لا ندري كم عالم وأديب ينتسب إلى بلادنا هذه، ولكننا نعلم بأن التاريخ سيذكر منهم الكثير في يوم من الأيام..!

قال لي أحد المنتمين إلى تلك البلاد ذات يوم أنه على وشك إصدار ديوان شعري – وهو لم يتجاوز بعد السابعة عشر من عمرة – يقول:”تفاجأت حقيقة من ذاتي, كل ما كنت أفعله إنه حينما مارست شيئا من التأمل فاضت قريحتي فلم أجد سوى تغريدات تويتر محضنا لتلك الأبيات, وهنا أنا اليوم قادر على تكوين هذا الإصدار ونشره”.. قلت له:ليس مستغربا ذلك فالإعلام الجديد مسرحية مفتوحة, جمهورها لا يرحلون, يجد الفنان للدور المتمكن من ممارسته ركيزة في العمل المقدم .. فلا يتحرج ولا يرجع مطأطئ رأسه.. وذلك هو منطق الإعلام الجديد…”

أما القابعون في براثن العبودية الجديدة “عبودية النمطية” فهم لا يشاهدون مشاهد تلك المسرحية إلا حينما يرتدون النظارات العاكسة التي تتلاءم مع طبيعة جودة العرض..! فقط لنلون حياتنا ولا نخشى إن قال “النمطيون” عنا مجانين ,فذروة العقل الجنون. لوّن حتى يعرفك الناس، وحتى تعرف نفسك..

قراءة تفكيكية لمفاعلات نسق التعليم العربي ..(1\2)

023233

تتسارع وتيرة الإلحاحات الحضارية على تجسيد النقلة النوعية للنسق التعليمي وخصوصا في مجتمعات العالم الثالث,ذلك النسق الذي أصبح اليوم “ضآلة الهروب” و “ملتجأ الإنطلاق” في نسق الفاعلية الحضارية,وقد أثبتت التجارب في مجتمعات شتى نجاعة ذلك الهروب في مقابل المفاعلات والإرهاصات التي تكبتدتها المجتمعات التي لا زالت تسيد أنساقها السياسية والإقتصادية كعامل حاسم في خلق فاعليتها الحضارية…

ولعل السياق العربي يكابد اليوم وطأة ذلك التسييد ويعاصر مغباته,في إطار تقهقر مشهود للنسق التعليمي بمعطياته وميكانزماته والأسس الفاعلة التي يرتكز عليها.. إن ما يحدث اليوم في إطار النسق التعليمي العربي هو كما تجسده لغة السوسيولوجيا ومنظوراتها السوسيو تربوية “بالقطيعة بين النظام والفاعليين الإجتماعيين من الدارسين والمتعلمين”, تلك القطيعة التي أفضت إلى معاملات أساسية شكلت الصورة الماثلة والمتجسدة في ضآلة فاعلية الأداء السوسيولوجي للنسق في سياقه الإجتماعي والحضاري..

فنحن في سياق العالم العربي وبعد تجربة قرن كامل مع تعميم التعليم يجب أن نعترف بأن هذا العقم الذي ينخر في جسد النظام التعليمي هو سبب لإيديولوجيتين متكاملتين, تتشكل الأولى في جانب عدم توافقه مع طبيعة التكوين الذاتي للفاعلين الإجتماعيين “من المهارات والمواهب المتفاوتة بين التلاميذ” وسعيه لبرمجتهم على نحو سواء يعطل قدراتهم, والأخرى في في معطيات برمجته للعقول على إدعاء الكمال وتأكيد عدم الاحتياج لعلوم الآخرين، وهذا يؤدي حتماً إلى التعصب والانغلاق ورفض الجديد…

إن تلك القطيعة إذا ما وضعناها تحت مجهر التفكيك فإن المورد الأساسي الذي ولدها هو إنزواء بؤرة التطابق في معايير المعنى والهدف بين النظام بمحكاته وأهدافه وأسسه ومرتكزاته النظرية والمعرفية والتقويمية وبين معيار المعنى والهدف الذي يؤمل في ذوات الفاعليين الإجتماعيين من الدارسين في السياقات التربوية المختلفة, وهذا يجعلنا بالضرورة نقف عند مسلمة منزوية في سياق كينونة هذا النظام والعمليات الدائرة فيه وهي فقه أن التلعم المثمر والذي يحقق الكفاءة النوعية للذات الفاعلة ما هو إلا ثمرة تفاعل عميق بين ثلاث مؤطرات فعلية:

1- الذات الإجتماعية الفاعلة بما ترتكز عليه من إتجاهات سيكولوجية ومقومات وسمات ذاتية وما تتأثر به في سياقها من الإنعكاسات الرمزية لبواعث الثقافة الإجتماعية وما يتجسد فيها من دوافع ذاتية تجاه التعليم..

2- الإضافات المعرفية والمعلوماتية الدقيقة والموجهة التي تستهدف صياغة الذات للإنتاج في سياق “شغل سوسيولوجي” محدد ومؤطر بإطر التخصص الدقيق, بالإضافة إلى مسألة مهمة وجذرية تتحدد في سياق إكساب منهجيات التعامل والتفاعل مع المعلومة أو المضمون المعرفي, وتلك المنهجيات هي الكفيلة بتحويل مناط المعلومة إلى أفكار متكاملة البناءات وذات مصداقية عالية في الفاعلية والأثر الإجتماعي..

3- مهارات تطبيقية متجسدة من تفاعل مكنونات المضامين المعرفية مع جسور التطبيق الفاعل والإجرائي المسبق بتحديد إمكانات ذلك التطبيق وبواعثه, الأمر الذي يجعل من الذات الفاعلة تحشد إتجاهاتها من زاوية مع ما إكتسبته من مضامين معرفية من زواية أخرى لتحرر تآزر قدراتها وتفتح الطريق والمسالك للإنجاز, وفي ذلك يقول المبدع الفرنسي إكزوبري: «إن الأرض تفيدنا عن أنفسنا أكثر مما تفيدنا كل الكتب لأنها تقاومنا فما يقاوم اتجاه الفرد يستنفر طاقته…»..

ماذا لو جئنا للولوج إلى توصيف دقيق لعمق المشكل التربوي في سياق النسق التعليمي العربي إطرادا مع المؤطرات الثلاث السالف ذكرها والمشكلة لبنيوية “الكفاءة النوعية للتعليم”, أو لنسرد بشكل أدق “فيم تتحوصل جل المشكلات المتهافتة في النسق التعليمي العربي وإلى أي مرتكز يمكن لنا أن نعزو بؤرتها ؟, فحينما نتحدث عن المشكلات الأساسية في النسق التعليمي نجد إنها متوزعة في صلب المؤطرات الثلاث السالفة ذكر ولتبيان ذلك لنطرح إرهاصات التساؤل التالية:

- لماذا تتجسد معالم التضجر والملل والسلبية والتوجس الدائم لذات شرائح واسعة من الفاعلين الدارسين في المجتمعات العربية تجاه النسق التعليمي “مؤسسات – مناهج – أساليب – كيانات بشرية”..؟!

- لماذا مع التطوير المستمر والمتعاقب للمضامين المعرفية لسياقات المناهج الدراسية إلا إن رتابة المستوى من الكفاءات والقدرات لا يتحقق لها الإرتقاء الماثل والمأمول من ذلك التطوير..؟!

- لماذا يصطدم الفاعل الدارس حينما ينطلق إلى سياق “الشغل” الذي يناط به بإن المهمات والوظائف الملقاة على عاتقه تجري في مسار نهر آخر مخالف تماما لما إرتوى به عقله وتشبع من معارف ومعلومات إبان دراسته..؟!

إن منظوري الذاتي الذي أرى من زاويته عمق تلك المشكلات وبؤرة إنبعاجها وسطوتها على النسق التعليمي أراه منطلقا من زاوية المؤطر الثاني من مؤطرات التعلم المثمر والفاعل, وهو ما يتعلق بسياق المضامين المعرفية والمعلوماتية والمنهجية التي يحقن بها عقل الفاعلين من الدارسين في النسق التعليمي, إن مقاربتي لهذه الزاوية من التحليل تتشكل فعليا من سياق توجيه ناقد للمضامين المعرفية العربية أسوقه في النقاط الآتية:

أولا: “قتل الإثارة والتشويق المعرفي والتلهف لدى الذات الدارسة”:

إن كبار العلماء الذين جربوا الشغف بالعلم واللهفة إلى الحقيقة وعاشوا مباهج الكشف يؤكدون على أولوية الإثارة والشغف والمتعة كشروط أساسية للتعلم, فيقول عالم الفيزياء الشهير ريتشاد فينمان في كتابه (معنى هذا كله): «العلم هو الإثارة.. ثمن هذا كله هو التفكير المنظم والعمل العسير,العمل الذي لا يجري من أجل تطبيق ما إنما يجري من أجل الإثارة التي نجدها فيما نكتشفه,هذا هو السبب الحقيقي للعلم وبدون تفهم هذا لن يمكنكم إدراك الأمر فأنت لا تستطيع أن تفهم العلم وعلاقته بكل شيء آخر إلا إذا فهمت وقدرت مغامرة زماننا الكبرى أنت لا تعيش عصرك إذا لم تفهم أن العلم مغامرة هائلة وأنه شيء جامح مثير»…

وحينما نؤكد على عنصر الإثارة والتشويق فنحن لا نتحدث عن الشكليات المتضمنة في مناهجنا اليوم, والتي تستهزئ بعقلية الدارسين تحت شعارات التشويق والإثارة من إضافة صور ورسومات وأشكال وألوان هزلية تخاطب الذائقة النفسية قبل العقل والمنطق والتفكير, إن ذلك تقليد زائف يفتقر إلى أبسط عناصر التشويق والإثارة العلمية الركائزية التي نقصدها ونحلل على أساسها والتي هي في مضمونها تحوي الأسس التالية:

1- إن الإثارة والتشويق العلمي هما اللذان يجسد مهدا للعقل لممارسة أروع المغامرات من آليات التفكير وأشكاله ما يدفعه لإبتكار منهجيات ومقاربات متجددة لدراسة المعطيات المعرفية..

2- الإثارة والتشويق العلمي لا تتجسد من خلال مضمون معرفي يؤكد للدراسين الإمتلاك المطلق للحقيقة, وإنما ذلك الذي يدرك فيه الدارس جهله وحاجته الملحة إلى التعليم, فالشعور الشديد بالحاجة إلى كشف الحقيقة يؤدي تلقائياً إلى الانهماك في البحث والاستغراق في الاهتمام وإبقاء العقل والعاطفة في حالة تلاحم تام واستنفار شديد, فإذا تحقق الكشف تأججت البهجة كمن عثر على الماء بعد أن كاد الظمأ يُهلكه في الصحراء اللاهبة…

3- عنصر الإثارة والتشويق العلمي هو الذي يكون مبنيا على أسس سايكولوجية تؤسس لمنظورات البناء المنهجي للمضامين المعرفية, بحيث تتواءم تلك المضامين مع طبيعة التكوين والإتجاهات التي ترتكز عليها الذات الفاعلة في سياق المجتمع إنطلاقا من الظروف الإجتماعية المحيطة وواقع الحياة الإجتماعية المعاش, وهذا يقودنا إلى أهمية إدراك قصوى لضرورة التداول المعرفي بين التخصصات المختلفة في صياغة البناءات المنهجية للمضامين المعرفية وذلك يحقق معرفة المداخل الأساسية التي من خلال تحقق تلك المضامين فاعليتها وأول تلك المداخل تحقيقها لعنصري الإثارة والتشويق للذات الفاعلة..

يقول ريتشاد إليت فريدمان: «إذا أمعنت النظر في أي شيء فلن تجد ما هو أكثر إثارة من الحقيقة» فليس أروع ولا أنبل ولا أنفع ولا أمتع من حقيقةٍ عظيمة تنكشف لواحد من العلماء بعد جهد مرهق ومثابرة طويلة ولهفة عميقة متجددة…

ثانيا: “إفراغ المضامين المعرفية من إدماج الطالب في مواجهة المحكات الحقيقية في الحياة الإجتماعية”:

من المسلم به إن الإنسان وهو يجابه مشكلات الحياة يبحث عن مخارج للخلاص من المخانق وعن حلول للمشكلات التي تعوق تطلعاته, وتلك المواجهة الشرسة والمستمرة في سيرورة الحياة الإجتماعية مولدا رئيسيا لإكتساب المعارف والقدرات, فمقاومة الرغبة والبحث عن المنافذ لتحقيقها تُنَمي القدرة أي أن مشكلات الواقع تعلم الإنسان, فالإنسان يتعلم من المواجهة المباشرة مع عوائق الحياة وليس من اضطراره لحفظ معلومات لم يشعر بحاجته إليها ولم تدفعه الرغبة للبحث عنها فيعاني من الكلال والملل والنفور والانسداد بدلا من أن يتفاعل معها من أعماق ذاته,  وإذا ما جئنا إلى واقع المناهج الدراسية في نسق التعليم العربي نجد إن تمظهرات بند “المشكلات والتجارب” الذي تستند إليه لا ينفض سوى إحتوائه على توجيهات نظرية منقوصة تدعى بموجهات التعامل مع المشكلات كما يظهر في مقررات “التربية الإسلامية والمهارات الحياتية”, بينما هي في حقيقتها لا تدفع بالطالب أو على أقل تقدير لا تشعر الطالب بجو المشكلة وحيثيات أبعادها والوقائع المرتبطة بها لتدفعه لإبتكار الحلول وخطوط المواجهة المتناسبة مع ميكانزمات شخصيته ومحددات مهاراته وإمكاناته..

ثالثا: “إنفصال المضامين المعرفية عن ملامسة حركة الحياة والإتزان مع فحوى إيقاعها المستمر التغير والتبدل”:

فمع طوفان المعلومات الهائل وبعد أن توفرت لجميع الفاعليين الإجتماعيين الوسائل والآليات للحصول بمنتهى السهولة على أي معلومة في مختلف المجالات وفي شتى السياقات, فإن تعليمنا العربي لا يزال يتعامل برتابة التنوير من الأمية, أي بالتعامل مع الفاعلين من الدارسين بمنطق الحشو المعلوماتي والإستزادة والتعميق, دون الأخذ بعين الإعتبار المسملة التي فرضها واقع الإنفجار المعلوماتي بكون الحصول على المعلومة أصبح اليوم أسهل من شرب كأس ماء من فيض النيل المصري على رقعة إتساعه, وهو ما يسميه منظر الإجتماع المعاصر آلان تورين بـ”تعدد مصادر الذت الفاعلة”, ليس على مستوى المعارف فحسب وإنما على المستوى الأخلاقي والقيمي والتكويني لذات شخصية الفاعل الإجتماعي, إن غياب تلك المسلمة دفع بالنسق التعليمي إلى الانفصال عن حركة الحياة ومنطقها الكوكبي المعهود بسرعة التبدل, وعدم إحساس الدارسين بتفاعل المواد مع واقعهم اليومي, فنتج عن ذلك حضور الملل والسلبية والإنسداد وغياب التفاعل وبذلك غابت الرغبة التلقائية في العلم وانتفى الشعور بالحاجة الذاتية الملحة إليه, إن الصيغة الأساسية المفقودة في هذا السياق هي صياغة منهجيات التعليم المعتمد على أسس فعلية لتكوين الرغبة الجياشة في التعليم والتدريب وذلك لا يتأتى إلا إذا كان التعليم يجري مع نسق الحياة العامة ويتفاعل مع قضاياها المحورية والوجودية, لا أن ينزوى إلى تشكيل بناءات نظرية جمودية تتلقفها الأجيال جيلا بعد جيل دون أي إسباغ لها في ديمومة الواقع ومجرياته, فعلى سبيل المثال من يطرح من المعلمين مناقشة قضية آنية واقعة في سياقها الحالي على طلابه وفق أسس علمية يجد تفاعل الطلاب وإحتكاكهم بذات القضية وأبعادها أفعل وأقوم مما لو كان يناقش بناء نظريا جامدا من الأسس والمعايير أو من مطابقة ذلك البناء في سيرة أحداث تاريخية أكل عليها الدهر وشرب وإنتقصت خبرات الفاعلين من الدارسين حولها,,

قراءة تفكيكية لمفاعلات نسق التعليم العربي ..(2\2)

big201210510227RN127

وإضافة إلى الزوايا السالف ذكرها من محددات أساسية قطعت العمود الفقري الذي يدفع بالفاعلين من الدارسين نحو إجتياح الرغبة الذاتية والإنطلاق بقابلية نحو التعلم وعملياته ومضامينه, فإننا نشير إلى زاوية أخرى تتخلخل في عمق المرتكزات الثلاث للتعليم المثمر أيضا وهي الصورة التي منطلقها وصول المجتمع في عموم سياقاته وعموم الفاعليين الإجتماعيين فيه إلى  فقدان الشعور الجمعي بأهمية التعليم كمعنى للوجود السوسيولوجي والحضاري, في ذلك لعلنا نستعرض مقولة  آينشتاين حين يقول: «من خصائص الفن الحقيقي وجود رغبة لا تقاوم لدى الفنان المبدع» إن ما يصفه آينشتاين هو حالة التأجج الداخلي الناعبة من ذوات الأفراد بإحساسهم بأهمية التعليم كمعنى للوجود السوسيولوجي, وذلك التأجج الذي نصفه يحدث في حالة إقتناع المجتمع وإعتياد أفراده على أن ينظروا إلى التعليم بإجلال وبوصفه قيمة عظيمة في ذاته وليس كونه وسيلة لغاية أخرى أو براغماتية للحصول على وظيفه أو مكانة إجتماعية معينة, حينها يصبح التعليم كما أصفه دائما حمارا تابعا لسوق العمل يجري خلف أهواء الإقتصاديين وتتحكم فيه نزوة الملايين, وهذا يقودنا بدوره إلى القضية الحساسة في السياق ذاته وهي قضية المعايير السوسيولوجية المستخدمة والمتعارف عليها في إطار النسق التعليمي العربي وربما جزء كبير من مجتمعات العالم عموما, وحينما أتحدث عن المعايير التي تحكم العملية التربوية فلعلي أناقشها في سياق نطاقيين رئيسيين:

1- النطاق الأول : “وهو ديناميكية الهدف السوسيولوجي الذي يؤديه التعليم في نسق المجتمع”

نسق التعليم في مجتمعاتنا العربية لا زال يناظر ويمحور آلياته ووسائله على إعتبار محورية الروح الإجتماعية أو الروح الوطنية هي السائد المسود الغالب في الأهداف السوسيولوجية التي يضطلع بها النسق التعليمي, مع فشله الذريع في تحقيق جزء كبير من تلك الصورة, فنحن اليوم كما أسلفنا الذكر في سياق مجتمعات يحكمها “تعدد مصادر الذات الفاعلة” وهنا ينبغي الإشارة إلى ضرورة أن تكون مسألة الروح الإجتماعية أو الوطنية هي منطلق يتأسس عليه ممارسات الفاعل في النسق التعليمي, لا أن تكون السقف الحاجب لها عن ممارسة مقوماتها الإبداعية وروحها الإبتكارية, فبدلا من الإقتصار على الإعداد للحياة الإجتماعية والمهنية والقومية لابد أن يمارس النسق إجلاء ميكانزمات تفتح أفق التصور للفاعلين من الدارسين فيه وتوسع لهم مدارك الإبتكار والإبداع والتعدد والتنوع في المواهب والمجالات, بما يحقق إضافة نوعية لا نمطية في سياق التعلم المثمر والهدف السوسيولوجي الذي يضطلع عليه نسق التعليم, إن نسق التعليم العربي لا زال يمارس  تعطيلا لمنابع العقلانية والتفكير المنطقي الحر في مقابل تغليب مباشر وسطوة لإسقاطات هيمنة الثقافة الإجتماعية والعقل والذاكرة والتاريخ الإجتماعي على تكوين العقل العلمي فيه..

2- النطاق الثاني: “معايير الأداء وتقويم الأداء والإنتقاء والكفاءة”:

فمعايير التقويم التربوي والقبول الجامعي والإنتقاء الوظيفي كلها حلقات متشابكة مع بعضها البعض لا زالت في إطار مجتمعاتنا العربية تسري بعقلية رثة متهافتة, وذلك مغزاه أن نسق التعليم لا يحترم بأي شكل من الأشكال إتكائية التفاوت في القدرات والمواهب والمهارات في عملية التقويم, وإنما يتعامل مع الفاعلين من الدارسين على أنهم وحدة بشرية مبرمجة تقيم وتحاسب على الأداء الإنجازي دون المعالجات, وقد يصح هنا أن ترى مفارقة مهمة وربما إتجهت دراسات تربوية كثيرة لمناقشتها وهي أن ثمة شرائح من الطلبة هي متميزة في سياق تفاعلها الصفي وأدائها للأنشطة المدرسية عموما ولكنها في ذات السياق تفشل فشلا ذريعا في الإختبارات المقررة بأنماطها التقليدية والكلاسيكية..!

إن كلاسيكية المعايير التي يتكئ عليها نسق التعليم العربي واحدة من مآلاتها هو التجرع الاضطراري للتعلم من قبل الفاعلين الدارسين,يقول جون ماكسويل في كتابه (الفشل البناء) حيث يروي تجربته الذاتية مع التعليم وكيف يكون التعليم ضيئل النفع ومؤقت النتائج حين يقوم على الخوف من الرسوب وأن هذا الخوف قد دفعه إلى أن يجتهد في الحفظ وأن يتفوق وأن يجتاز الامتحان بامتياز يقول: «ولكن بعد أيام نسيتُ كافة المعلومات لقد نجحت في تجنب الفشل الذي خفتُ منه ولكني لم أستفد شيئاً فعلياً», ثم يقول: «تخرجت من الجامعة وكنت من الخمسة الأوائل ولكن ذلك لم يعن لي شيئاً فقد لعبت لعبة الدراسة بنجاح وقد حفظت الكثير من المعلومات, ولكني لم أكن مستعداً على الإطلاق لمواجهة الحياة وقد اكتشف ذلك في أول وظيفة لي فتجربتي الجامعية قد رسّخَت لدي المفاهيم الخاطئة»..!

كتبت مرة على تويتر :”أن أي مجتمع لم يهيئ نفسه للإبداع والإنتاج بغزارة وإتقان وفاعلية قصوى لم يعد له أية فرصة للبقاء بكرامة النفس الحضاري وسط التنافس العالمي المحتدم”..تلك حقيقة أساسية نخلص منها  إلى المرتكزات الأساسية التي لابد أن تقوم عليها عملية الإصلاح النوعي – إن أردنا إصلاحا نوعيا حقيقيا- لنسق التعليم العربي وأسوقها في الآتي:

الوقفة الأولى: “وقفة سايكولوجية”: تدرس من خلالها طبيعة شخصية الطالب العربي في ظل الأوضاع المعاصرة التي تعايشها المجتمعات العربية وفي ظل المتغيرات الكوكبية التي يفرضها الإنفجار المعرفي والمعلوماتي, وصولا إلى المدخل الأساسي الذي يتحقق من خلاله الولوج إلى الدفع بالشخصية نحو تشرب تلقائية حب التعلم ودفع الأشواق الذاتية نحو إتقان الأداء العلمي والممارسة المنهجية..

الوقفة الثانية:”وقفة سوسيولوجية”: تدرس من خلالها فلسفة المجتمع والتغيرات القيمية والثقافية الكائنة فيها وطبيعة مقتضيات الحالة الحضارية التي يعايشها ارتباطا بالمتغيرات العالمية, ومن ثم تجسيد ضرورات الإرتقاء بشخصية الطالب بما يحقق النهوض المدروس على أسس منهجية لا على أساس “معلبات التعليم المستوردة”, في ذلك يقول أحد المتخصصين في علم النفس:”إن الإنسان يولد فارغاً فتملؤه البيئة تلقائيا بما هو سائد فيها ولكنه كائن مكلف وعليه أن يسترد ذاته وأن يعيد تشكيل وعيه المبرمج وهذا يقتضي أن يحصل على معارف كافية ممحَّصة عن أمور كثيرة ومتباينة…”

 وهذا يكشف بجلاء عمق الحقيقة السايكولوجية التي توقف عندها “العقل المدرسي العربي” وهي الإكتفاء بطبيعة البرمجة التلقائية الإجتماعية وقد عزز ذلك التوقف ممارسات نسق التعليم القائم على التكرار والإجترار والمشافهة لما يتجسد في البيئة الإجتماعية من بناءات ثقافية..

الوقفة الثالثة:”وقفة تربوية أكاديمية متخصصة”: تعمل على بناء نماذج للتدريس ومضامين للمعرفة قابلة للتطويع الثقافي, ودافعة للرغبة الذاتية للتعلم الذاتي, وموجهة لدور المعلم في نصابه الحقيقي داخل النسق, وهذا الوقفة ما هي الا محصلة لنتاج الوقفتين السابقتين..

الوقفة الرابعة:”وهي وقفة منهجية تتخلل إطار الوقفة التربوية”: تضع في الإعتبار الضرورات الآتية لشتى مكونات النسق التعليمي “مناهج دراسية,مضامين معرفية,آليات تقويمية”:

1- التأسيس لتكوين رغبة جياشة دائمة على التعلم داخل نسق التعليم ذاته, من خلال تعزيز المناهج الدافعة للإكتشاف والبحث والتنقيب وإجراء مقاربات بواقع الحياة المعاش..

2- التدريب على حسن التفكير وخلخلة المسلمات الثقافية البليدة والمعطلة لنسق الإرتقاء, وإستنفار العقل في ممارسة التمحيص المنهجي, وغرس الإيمان العميق بقيمة العلم..

3- الإنكفاء من وهم الحشو المعلوماتي, فالمعلومات مهما بلغت من التنوع والكثافة والجدة لا تشكل في بنيتها “أفكار فاعلة” دونما منهجية تتشكل في عقل الطالب تحول تلك المعلومات إلى نبض أفكار فاعل في السياق الإجتماعي والحياتي عموما, وفي ذلك أقول “أن المعلومات لا تغير المجتمعات إطلاقا.. المجتمعات تغيرها الأفكار والقدرة الباهرة من الفاعلين الإجتماعيين على خلقها وإبتكارها وتداولها”…

4- هدم التصورات الرثة القابعة في العقل المدرسي العربي حول التعليم, وصولا إلى حالة الإحساس الوجودي بقضية التعليم ومعناها ومبناها السوسيولوجي لدى الأفراد, وزلزلة تلك التصورات في العقل الجمعي لا يمكن إن تضطلع بها المعلومات, لإن المعلومة بطبيعها توازي في قوة الأثر التحصيلي لها في سياق العقل ما يركن في العقل من تصور مماثل لسياقها, وإنما يقوم بها إكساب الأفراد المنهجيات الفاعلة في التعامل مع المعلومة “تحليلا ونقدا وتوصيفا ومقارنة وتوظيفا”, وبالتالي إنتهاءا بسياق أفكار فاعلة فالأفكار هي بناءات متكاملة يشكل أعضاء جسدها “معلومة +فاعلية +منطق بنيوي” وعليه هي المهيأ الأمثل لزلزلة تصورات العقل الجمعي…

5- واحدة من المشكلات التي تصطدم بها شخصية الطالب العربي في تفاعله مع معطيات النسق التعليمي أيضا هي مسألة أن التعليم في العالم العربي يتعامل مع العلم كمسائل متناثرة وليس كنسيج مترابط, ويقّم كحقائق مطلقة وليس كظنون واحتمالات قابلة للمراجعة والتعديل والتطوير, وفي ذلك أيضا لابد من إجراء تخطيط متكامل لربط المعارف في التخصصات المختلفة بين بعضها البعض من زواية, وبين معطياتها ومعطيات الحياة الإجتماعي والحراك الحيوي من زاوية أخرى, وهذا هو المفقود حيث نرى أن القائمين على صناعة المعطى التربوي كلا يجري في حقله دون تكامل أو وصلة ربط تحقق إندماج المعارف والأفكار في نسيج متكامل مترابط يحقق فاعليته لدى شخص الفاعل الدارس..