عجّ المشهد العالمي, ولا زال, منذ بزوغ فجر العولمة (تحليلا وتفكيكا دراسة وبحثا قراءة وإستطلاعا) بمفاعلات التغير الجذري التي أحدثتها الظاهرة الكونية على بنية المجتمعات وأنماطها الثقافية وبناها الفكرية ومناطاتها السوسيولوجية.., غير أن كل تلك التمحيصات في سياق واقعنا العربي لم تفرغ لنا لصياغة منظور إستراتيجي ينطلق من أسس دراسة التحول النوعي والميكانزم الفاعل الذي بذرته العولمة في سياق شخصية الفرد الفاعل الإجتماعي, والتي بدورها أفرغت تغيرا في البنى الثقافية على النطاقين : “نطاق الأفراد المشكلين للمجتمعات التي أنغمست في تحولات العولمة” , و “نطاق الأفراد المشكلين للمجتمعات التي ما أنفضت وهي تبني حواجزها الثقافية وسدودها المنيعة الواهمة من فيض معاملات الخوف الثقافي مما يدعى بتأثيرات العولمة” . إذن وعلى ضوء ذلك فإن أقصى ما وصلت إليه تلك التمحصيات أن خلقت على المشهد السوسيولوجي العربي نطاقين فكريين لا ثالث لهما:
الأول:وهو ما يسميه منظر الإجتماع المعاصر “أنتوني غدنز” (تيار المشكّكون) وهم الفئة الأكبر في سياق المنظومة العربية بحكم طبيعتها المحافظة, والذين يحصرون الجزء الأكبر من مفاعلات إنتاجهم الفكرية وتصوراتهم الذهنية حول الجانب المظلم -بالنسبة لهم- من تلك الظاهرة الكونية, فترتبط العولمة في الصورة الذهنية لديهم والتي يحاول طبعها في ذهنية الفاعلين الإجتماعيين دوما بمسائل الهوية,الغزو الثقافي,الإنحلال القيمي وما سواها من الإرهاصات التي تعبر عن كينونة النزعة الثقافية للطبيعة المحافظة ومدعماتها الفكرية, ولكن الجانب الأكثر خطورة في سياق تلك الصورة الذهنية هي حصر الإرتباط لتلك الظاهرة الكونية دوما بالتدويل والأقلمة..وهذه إرهاصة غائبة تماما عن التفكيك والمحاكمة في سياق المنظورات الفكرية والتداولات المعرفية التي ناقشت أطروحات العولمة وتجلياتها..
الثاني: وهو كما يسميه غدنز أيضا “المتعولمون” وهم الذين قدموا العولمة في صورتها الذهنية على أنها “نبأ الإنسانية” وعصر الكمال المبجل ,مستبشرين بقدرتها المادية الفائقة على إختراق شبابيك السبات الإيديولوجي والثقافي وبنى التفكير والمأسسات التقليدية الرثة, آملين أن تلك المسهبات التبشرية سوف تقدم أنموذجا عالميا تحذف من زاوياه التنظيرية مفاهيم “الفجوة الحضارية,الفجوة الإقتصادية,الفجوة المعرفية…الخ”
وعلى ضوء الآلاف من الأطروحات والكتب والمناقشات والمحاضرات والمقالات لم يفرغ لنا اليوم صياغة منظور تأليفي توليفي يقرب الصورة الإنقسامية بين التيارين المصطنعين السابقين, بحيث تحدد براديغماته الأسس الفاعلة التي توظف من العولمة أدواتها الحضارية الفاعلة لخدمة إرتقاء الحركة الذاتية للمجتمع, وتحد من العقبات الواصبة التي تحول بينه وبين بلوغه مراتب الإرتقاء الحضاري, وخروجه من براثن التخلف, كما تؤسس للمنظومة التي تفكك السياقات والأنساق المعطوبة في المجتمع والتي تعيق حركتة الذاتية إيذانا بخلق أنساق توليفية وميهكلة جديدة, تقتضي النهوض به, وتحوي بين خصوبة معالمها بذور الولوج إلى الفاعلية الحضارية في سياقه..
أنني في سياق هذه المقالة أحاول محاولة متواضعة إيلاج مسلمات ست أساسية أرتأيت إلى صياغتها إعتقادا بكونها المحددات الأساسية التي لابد أن يرتكز على ضوئها النموذج النظري الأمثل الذي من خلاله يمكن أن نجسد صورة أنجع للتعاطي مع معطيات التحولات التراكمية التي تفرضها نطاقات العولمة وإرهاصاتها, وهذه المسلمات كما أرتأي هي:
المسلمة الأولى: إذا تم التسليم بإن العولمة الجارية كما هو “المانشفيت” الدائم لها “تحويل العالم إلى قرية كونية صغيرة” عبر تقانات الإتصال ووسائل الإعلام , فإن علينا أن ندرك تماما أن تلك النقلة التحولية غير مفصولة من أمرين أساسين:
1- أثر الروح الجغرافية على الذهنية والتكوين الثقافي والإنطباعي للفاعل الإجتماعي..
2- الأمر الآخر, والأهم من ذلك, هو أن الفرد لا يحيا في المكان وحده, وإنما هو كائن زمني يجر وراءه تواريخه ويطوي أطواره, والزمن ما هو إلا محصلة الخبرات والمعايشات التي تولد ما لا يتناهى من الفروقات بين الهويات والثقافات..
المسلمة الثانية: تمظهرات العولمة أسهمت في تعرية إتجاهيين فكريين تاريخيين خالدين, وعلى ضوء ذلك فإن المشتقات الفكرية المصاحبة لهما, وتبعاتها المعاصرة, مآلها إلى التعرية قصر الزمان أم طال, وهذان الإتجاهان هما:
1- ما يحلو لي تسميتهم “منجمي البشرية” أو من عرفوا بعلماء المستقبل والذين مارسوا العرافة والتنجيم الإغريقي بطرق عصرية, فكثفوا مباحثهم بالقول والتبنؤ بما سيحصل للبشرية بعد خميسن, مئة, مئتان من الأعوام, فهم على الرغم من غزارة معلوماتهم وسعة معارفهم,أبعد ما يكونون عن الراسخين في العلم..
2- الناهلون من المذاهب التقدمية ومذاهب فلسفة التاريخ, الذين تحدثوا عن حتميات إنتصار العقل, وتحرر الإنسان التام من الإستلاب, وبلوغ التاريخ نهايته وكماله, على طرق هيغل وماركس ومدارسهما, وكما يقول المفكر اللبناني علي حرب:”ما حصل في القرن العشرين يهزأ من نبوءات هيغل العقلانية بقدر ما يهزأ من توقعات ماركس الإشتراكية”..
وفي السياق ذاته, فإن النماذج النظرية والنبوءات الفكرية المتحدثة بلغة التكهن والتنجيم والإستباق, لم تعد تتوافق مع منطق الوجود المعاصر بإرهاصاته وتحولاته, بقدر ما نحن اليوم بحاجة إلى (المنظورات التوظيفية) والتي تقوم هي الأخرى على مرتكزات ومنهجيات الفعل التنظيري الآتية:
أولا: حصر الإمكانات من الظاهرة السوسيولوجية ومحاولة خلقها وإعادة تشكيلها في صورة جديدة تدعم تحويل الظاهرة من حدث مؤثر بالإتجاه العكسي إلى حدث حافز في السياق الإجتماعي..
ثانيا: مفهوم الحدث السوسيولوجي في المنظورات التوظيفية التي أدعوا إليها, إنما هو مطابق لما قال عنه المفكر بول فيريليو, فهو يشير إلى “إختراع تقني أو ابتكار فكري أو تطور حضاري أو تحول تاريخي”, أما مصطلح الحادث فهو يشير إلى إضطراب أو خلل أو مصيبة أو كارثة, وعليه فإن التحول في معطيات المفاهيم هو بدوره أيضا يشكل إنعكاسه على منهجيات التفكيك والدراسات والتنظير, ويوجه العلوم الإجتماعية والأنسنية بحسب نحو تعمق تخصصي لمجالات محددة كي لا تتشابك المهام وتتعقد القضايا والأحداث..وفي كل قضية يجب أن نتساءل هل نحن نتعامل مع حدث أم نتعامل مع حادث.؟!
ثالثا: في سياق التنظيرات التنبؤية, لابد أن تركز المنظورات التوظيفية على التحول أيضا من مفهومها التكهني التنجيمي إلى مفهوم المواجهة, بحيث يصبح التفكير وقراءة المستقبل ليس ضربا من الترف العلمي والبحثي والتحليلي, بقدر ما هو إبتكار للأدوات والفاعليات التي من خلالها يستعد البناء الإجتماعي بعموم أنساقيه وفاعليه لمواجهة الحوادث والطوارئ الدائرة فيه..
رابعا:المنظورات التوظيفية إيضا في قراءتها للحدث وتشخصيها للوقائع إنطلاقا وإيذانا بقراءة متعمقة للمستقبل, لابد أن تضع في الإعتبار أن المستقبل المرجو ليس نموذجا يحتذى, ولا مشروعا نسعى إلى تنفيذه إنطلاقا من فكرة مطلقة أو نظرية جاهزة للتطبيق, وإنما هي جملة من المجريات والوقائع الجزئية التي يساهم الفاعلون الإجتماعيون في صنعها وبنائها ومأسستها, عبر ما تنتجه وقائع وتحولات المعاصر من الأحداث, أو ما ينجزونه هم من حقائق كلا في سياقه ومجاله..
خامسا: لابد أن ترتكز المنظورات التوظيفية أيضا على التحول النوعي المفكك لمفهوم المستقبل, وتستبدل بناءه الكلي ومضامينه الجذرية بحيث يعرف بكونه :”القدرة على إنتاج الجديد ,الأصيل ,المهم ,الفاعل,وغير المسبوق من خلال تفاصيل الواقع المعاش”..
سادسا: يتبع التغير النوعي في مفهوم المستقبل وسط كيان المنظورات التوظيفية التغير أيضا في بناء الخرائط الفكرية, التي من خلالها تتغير علاقات القوة داخل السياق الإجتماعي, ليس على مستوى الطبقات الإجتماعية, بل على مستوى علاقة الفاعلين الإجتماعيين بالحدث, وقدرتهم على الإنتقال من حالة الإنفعال الإجتماعي إلى حالة الفاعلية الإجتماعية..
سابعا: من الضرورة أن تؤكد المنظورات التوظيفية على سياق قضية مهمة, وهي التحديد الأنجع لمفهوم الهوية في سياق كينونتها الحضارية المعاصرة, فالهوية لم تعد كيانا تصوريا متكاملا مرتبطا بلغة أو قومية أو مرتكزات مادية ومعنوية تاريخية معينة, بقدر ما ألهبتها التحولات المعاصرة طابعا جديدا وخلقت منها نموذجا معاصرا وتحوليا, يرتكز في مقامات التنافس التنموي من أجل تحقيق الذات الحضارية أولا, ومن ثم طبعها بطابع المحددات الثقافية والمرتكزات المجتمعية..
إذن تلك هي محددات المنظور التوظيفي, والذي أرى من خلال بنائه خط المواجهة الفاعل, ومرتكز القراءة الناجع في سياق التحليل المعاصر للمرحلة الراهنة من إرهاصات وتحولات المشهد العالمي, والتي بدورها تحاول توليف صياغة وسطية, تهدم الإنجراف خلف التيارين الجموديين المشّكلات لعموم التوجهات الفكرية إزاء ظاهرة العولمة ومصاحباتها الحضارية…






